بحث هذه المدونة الإلكترونية
كتابات، أحاديث وتأمّلات في الإيمان والكنيسة وحركة الشبيبة الأرثوذكسيّة
مميزة
- الحصول على الرابط
- X
- بريد إلكتروني
- التطبيقات الأخرى
أمور تستدعي التأمل والبحث
ريمون رزق - 2013
تلبية لتكليف الأمانة العامة
١ - حياتنا الحركية الداخلية
خلال زياراتي لمعظم المراكز الحركية في لبنان استمعت لعدد من الإخوة الذين كان بعضهم قد أبدى تذمرا مما اعتبره موقفا سلبيا مغلوطاً من القيادة الحركية بشأن بعض الأمور الأنطاكية الطارئة، وكان بعضهم الآخر يخالفهم الرأي.
وتعليقاً على ما سمعته لا بد لي أن أقول أنني لاحظت هنا وهناك، وعند الطرفين، شيئًا من الضبابية تحجب وضوح الرؤية الحركية والفضائل الإنجيلية لديهم ما جعلني أتساءل عن مدى جدية انخراط البعض في بوتقة الحركة وفهمه الحقيقي لانطلاقتها ورؤيتها.
لذلك سأتوقف أولاً عند ما أعتبره خللاً في التحلي ببعض الفضائل قبل أن استعرض الأمور التي تعتبر خلافية على المستوى الفكري لأصل أخيرًا إلى ما أعتبره ذات أهمية بالغة في ورشة إصلاح حياتنا الحركية التي لا يجب أن تتوقف أبدأ.
۱ - شطط في الممارسات والسلوك
يبدو لي أننا جميعًا بحاجة لوقفة تأمل وتوبة علها تفتح المجال أمام تغيير جذري لممارساتنا الشخصية.
يوجد في بعض وسطنا جو من الثرثرة والاستعداد لإدانة الآخرين، أكانوا في الحركة أم خارجها، وكأني بالبعض منا ينصب نفسه معلما للمسكونة.
هكذا تصرف يخالف كليا التعاليم الإنجيلية ومحورية يسوع في حياتنا، إن لم نسعى إلى أن نتمثل بأخلاق المسيح في كل أمور حياتنا، وتاليا أن نتحلى بالتواضع والمحبة، وأن نتخلى كليا عن كل إدانة، لن يكون لنا علاقة بيسوع مهما أكثرنا من الصلوات والسجدات والصوم والمعرفة.
علينا أن نعي أنه "لا يوجد مؤمنون حقيقيون والحركي ليس سوى مؤمن يريد تفعيل إيمانه هنا وثمة دون السعي الدائم إلى التفتيش عن يسوع وملاقاته والالتصاق الحميمي به والعيش الواعي في حضرته واكتشافه في إخوته وخدمته فيهم والشهادة له في عالم بات لا يعرفه. يسوع وحده يجعلنا مسيحيين ويجمعنا إلى واحد. وليس تضعضع بعض الأوضاع في الكنيسة والحركة، هذه الأيام، سوى إشارة لا تقبل الجدل إلى أننا مبتعدون عنه رغم كوننا تكثر الكلام به.
أما آباؤنا فقد نبهونا إلى أن المهم ليس أن نتكلم عن الله، بل أن نتنقى من أجله ونتمثل به (مقال في مجلة النور، العدد ٦، ٢٠١٣).
يعلمنا الآباء أن المحبة تفوق كل معرفة، وكما يقول بعضهم هي أعظم من الصلاة. يكثر الكلام في أوساطنا عن أهمية الآباء وضرورة التقيد بما قالوه، غير أننا نكتفي بالترداد والتعلّق بأقوال نفصلها عن المواقف الحياتية التي أوجبتها حينها.
لقد نشرت مؤخرًا مقالين في مجلة النور الأول حول تعاليم الآباء في التواضع، والآخر حول دعوتهم إيانا أن نحب الجميع ولا ندين أحدًا أدعو الجميع إلى الرجوع إلى النصوص الآبائية الواردة فيهما.
عند مطالعتها نرى أن كل شيء في الحياة المسيحية يتعلق بالقريب، فإن ربحناه ربحنا الله، وإن أعثرناه أخطأنا إلى المسيح" (أنطونيوس الكبير). ويقول القديس أفرام السرياني: "من كانت عنده محبة، فعنده الله. ومن كان لديه التواضع، فهو شبيه بالله. ومن يتكبر يفترق عن المسيح ... والذي يزدري الخاطىء يدين نفسه... ومن شهر أخطاء إخوته يدنس نفسه ... ومن ازدرى أخاه يضل ويجهل، أما الذي يشاطره المحبة، فيقبله الله". ويقول القديس دوروثيوس الغزاوي: "كلما اتحدنا بقريبنا زاد اتحادنا بالله ... بقدر ما نكون خارج محبة الله نكون بعيدين عن القريب. لكن إن أحببنا الله واقتربنا منه فإننا نقترب من القريب ونحبه ونتحد به وبقدر اتحادنا بالقريب يتقوى اتحادنا بالله". هناك إذا حركة واحدة ومحبة واحدة توصلنا إلى الله والقريب حيث اختار الله أن يسكن. لا يوجد حياة مع الله بدون حياة محبة وخادمة للقريب الحياة الروحية تجمع في أن التوق نحو الله والتوق إلى الإنسان. الصلاة إن لم تكن تحمل أمام عرش الله مشاكل الإخوة والجماعة تكون ناقصة والعمل مع الإخوة، إن لم يكن امتدادًا للصلاة ولعلاقتنا مع الله يكون سطحيا وفارغا.
أعتقد أن الأهم في مسيرتنا الحركية اليوم هو أن يطرح كل واحد منا على نفسه أين هو من كل ذلك. أيننا من محورية يسوع في حياتنا؟ أيننا من محبته ؟ كيف تلتحم محبتنا للآخرين بها ؟
نردد أحيانًا قول المطران جورج (خضر) "إن برنامج الحركة الوحيد هو يسوع المسيح". فهل نعي ما نقول؟ هل نسعى حقا إلى عيشه? هل نعي أن كل برنامج آخر إن لم يكن مرتبطا ارتباطاً وثيقا به يكون باطلاً.
إن أردنا أن نكون حقا حركيين لا بد لنا أن نعي أكثر فأكثر هذه الحقيقة، وأن نفعل، قبل أي نشاط آخر مهما سمى تكريسنا الكلي يسوع. كنيسة أنطاكية بحاجة اليوم إلى أناس يتكرسون للرب ولا يهمهم شأن آخر لا يشع نوره فيه. أناس همهم الوحيد إرضاءه وابتغاء وجهه المنير والدامي من أجل خطايانا في آن. أناس لا يفتشون عن جاه أو تقدير أو شرف آخر، إذ لا شرف لهم سوی شرف الخدمة وغسل أرجل الإخوة بدون هذا السعي لا قيمة لنا ولا حاجة إلينا.
كثيرون هم المعلمون. كثيرون هم المنظرون. كثيرون هم الأسياد أو الذين يبتغون الوجاهة حيث طلب منا الرب ألا ندعو أحدًا على وجه هذه الأرض سيدًا أو أبا لأن أبانا واحد وهو في السموات. الكنيسة بحاجة إلى "الصغار" الذين قرروا أن يتبعوا يسوع إلى حيث يريد أن يكونوا واعين أن طرق الرب تؤدي دوما إلى صليب فقيامة.
هل نريد أن نكون من هؤلاء الصغار ؟ هل نسعى الى ذلك؟ من يريد ويثابر بمعونة الله والإخوة، هو عضو حق في حركة الشبيبة الأرثوذكسية، وفي حال العكس يكون قد ضل الطريق مهما بلغت مشاركته في الأنشطة واللقاءات والندوات والحلقات أياً كانت أهميتها.
الورشة إذا هي أولاً في داخل كل شخص منا وفي تصرفاته، وهي في حياة فرقنا وفروعنا ومدى تلبية متطلبات ذاك الذي مات من أجلنا وشاء أن نبادله المحبة بمحبة بعضنا البعض وعدم الإدانة.
٢- عيش القداس الإلهي ومحاورة الرب في كتابه المقدس
يوجد في الكنيسة أمران أساسيان يساعدان على توطيد علاقتنا بالرب يسوع، ومن خلاله بالإخوة، ألا وهما القداس الإلهي والكتاب المقدس يزين لي أننا بحاجة ماسة إلى تقييم تعاطينا معهما برأيي أننا لا نسعى بما فيه الكفاية إلى البحث في كيفية عيشهما ليكونا وسيلة ارتباط وثيق بالرب يسوع وبالإخوة.
القداس ليس شأناً فرديا يستقي منه كل واحد ما يناسبه، معتبرًا أن المناولة التي ينتهي إليها كثيرًا من الأحيان بدون توبة واعية تبرره القداس هو مسيرة جماعية تستحيل بمن يشترك فيه عضوا في جسد المسيح، وتاليا أخا لكل البشر.
تبدأ مسيرة القداس قبل أن يبدأ ولا تنتهي بانتهائه. قال لي أحد الأطفال من منظمات الطفولة أنّه يحيا طوال الأسبوع في ذكرى، وفرح، قداس الأحد والمناولة التي أقدم عليها فيه، وفي انتظار حميم القداس الأحد التالي.
فهم هذا الطفل عمق الحياة الليتورجية التي تنير كل أيام الحياة وتجعلنا نخرج من الكنيسة مسلحين ليس فقط بالمناولة المقدسة بل بالتعبير عن محبتنا لبعضنا البعض التي تسبق في القداس إعلان إيماننا وتبرره "لنحب بعضنا بعضًا لكي نعلن (إيماننا)"، وحاملين إلى العالم خبرة الوحدة الكيانية التي تجمعنا بيسوع الذي نصير جسدًا من جسده ودما من دمه، فيدعونا إلى ملاقاته في سر القريب. كانت العادة في أيام الحركة الأولى، أن يشترك أعضاء الفرقة الحركية الواحدة في القداس سوية لتوطيد وحدتهم وتمتين محبتهم القداس مسيرة توصلنا إلى السماء وتعيدنا إلى الأرض مع الرب يسوع. إنه ليس فرضا روحيا "نحضره" لنتمم "واجباتنا الدينية"، بل هو ما يجعلنا نساهم في تكوين كنيسة الرب إن عشناه كما يقتضي حيث بهذا العيش نفعل كهنوتنا الملوكي وندخل في علاقة صميمية مع يسوع وإخوته. علاقة لا يمكننا أن نتخلى عنها أبدًا لأنها تمسى الغذاء الذي لا يمكن الاستغناء عنه والذي ينير مجرى حياتنا كله. فهل نشدد على مثل هذه المسيرة في فرقنا، أو نكتفي بشرح الرموز والقشور ؟
ملاقاة المسيح هذه مع الإخوة تحصل أيضًا في تأملنا الكتاب المقدس الذي يجب أن يكون عملية حوار بيننا وبين الرب نتعلم فيه كيف نتصرف لكي نتمثل به ونعامل الآخرين كما فعل فلنحذر من أن يتقن بعضنا شيئًا من التفسير الكتابي العلمي ويغفل اللقاء الشخصي بيسوع من خلال كلامه. فإن اقتصرت قراءتنا للكتاب المقدس على الصعيد العقلي، فقط، ولم تتجسد في حياتنا اليومية وتصرفاتنا لن توصلنا إلى اللقاء الذي نصبو إليه.
التأمل الكتابي هو حوار بين المتكلم، الذي هو يسوع، وروحه القدوس، من خلال الذين كتبوه والقارىء هو حوار يتعلم منه الإنسان القارىء كيف عاش الإنسان - الإله المتكلم بيننا ويتمثل به الحياة في المسيح التي نتذوقها في القداس الإلهي، ننميها ونحافظ عليها خلال الأسبوع بواسطة الكتاب المقدس. ليس التأمل بالكتاب هو فقط، عمل عقلي، بل هو حوار بين قلبين ومدرسة نتعلم فيها السلوك بموجب فضائل الرب.
أعتقد أن إرشادنا يجب أن يرتكز على فهم صحيح لعيش القداس الإلهي والكتاب المقدس، وتسليط نورهما على مشاكلنا الحياتية وشهادتنا. يجب أن نتخلى سريعًا عن الطابع المدرسي الذي تتسم به اجتماعاتنا. علينا أن ننمي أولاً انتمائنا للمسيح قبل الغوص في دراسة العقائد والمجامع وما شابه، إذ الأساس أن نطعم أولا بطعم كرمة الخلاص التي هي الرب يسوع الفادي. لذلك يجب في كل اجتماعاتنا أن نذكر الإخوة أنه حاضر بيننا لأنه وعد أن يكون مع كل من يجتمع باسمه، فتصير اجتماعاتنا مطارح لقاء معه وتدرب على الحياة فيه ومع الإخوة.
٣ - الفرقة الحركية
تبقى الفرقة الحركية المتجانسة النواة الحركية الأساس يجب أن تكون مختبرا للحياة في المسيح والمحبة الأخوية يتخرج منه مكرسون وخدام ومشاريع قديسين ليست هي فقط، مكان للدراسة - على أهميتها لاكتساب فكر المسيح - بل مكان تتعلم فيه، أولاً، كيف تتمثل بالمسيح ونترجم تعاليمه عيشا وتوبة وخدمة وشهادة وانكسار.
فيها نكتسب فكر الرب لنسعى الى عيشه في وجوه الحياة ونختبر في آن أننا والإخوة أصبحنا "أعضاء لبعضنا البعض" (رو ۱۲ : ۵) فيها نكتسب فكر الرب لنسعى الى عيشه في وجوه الحياة ونختبر في آن أننا والإخوة أصبحنا "أعضاء لبعضنا البعض" (رو ۱۲ : ۵ فيها نختبر أن الحياة في المسيح لا تقتضي سلوكاً مناقبياً وحسب بل تغييرا للذهن واستعداداً لبذل الحياة كلها من أجل الآخرين من أجل كل قريب يضعه الرب على دربنا إن مقياس استقامة حياتنا في المسيح هو الأفعال لأن لا جدوى من محبتنا إن اقتصرت على الخطابات والكلام المعسول" (۱ يو ۳: ۱۸). من هنا ضرورة أن يعيش أعضاء الفرقة الواحدة قانون حياة يرتضونه لأنفسهم، ويذكرون بعضهم البعض على حسن تطبيقه، وأن يسعوا مجتهدين لممارسة التوبة ومحاربة الأهواء التي هي أيضًا لمدخل إلى الحياة في المسيح، وأن يتعودوا، في سعيهم هذا، على "العنف" الإنجيلي الذي يُجبر الذات على إتمام الخير وإن لم يكن القلب مستعدا.
يرتكز هذا العنف على رجاء ثابت برأفة الله وإإيمان لا يتزعزع على المرء أن يجبر نفسه على المحبة حتى لو لم يشعر بها، وعلى أن يكون رؤوفًا ورحيمًا مهما كان الأمر والصعوبات، وعلى تحمل الازدراء والتحلي بالصبر. وأخيرا، على المرء أن يجبر نفسه على الصلاة وإن لم يكن جاهزا لها.
إن لم تكن الفرقة الحركية مكانا يحيا فيه العضو كل هذه الاختبارات فينمو في المسيح مع إخوته، فإن الأمر يقتضي، حينها، إعادة النظر، بشكل جذري، في مكوناتها .
٤ - التهم المتبادلة التي تمزق الجسم الحركي
إن التزمنا هذا النمط الحياتي بصدق سنرى أن كثيرًا من التهم المتبادلة بيننا كأخوة ستزول. ستزول إن اكتشف الجميع أنهم إخوة في يسوع الذي لا يريدنا أن نأتي إليه دون إخوتنا. سمعت من يكفر الآخرين أو يستخف بآرائهم لمجرد اختلاف في الرؤية والتوجه. يبدو لي أن مفهوم الوحدة في التعددية غائب في بعض أوساطنا، وهذا دليل على افتقارنا لرحابة الصدر واعتبار الإخوة مسكنا للرب. إن ضل الأخوة علينا ألا نحكم عليهم بل أن تكثر من محبتهم.
الاختلاف في الرأي مشروع إن سعى كل طرف، بتواضع وصدق، أن يتفهم موقف الآخر ودوافعه وارتباطه بما سلم مرة واحدة للقديسين أي عقيدة الكنيسة التي لا مساومة عليها. لم أجد مثل هذه الحوارات بين المختلفين في الرأي بل تصلباً في القناعات وإصطفافاً في وجه بعضنا البعض نحن بحاجة ماسة أن تعود فرقنا واجتماعاتنا مطارح حوار منفتح بعيد عن كل تعصب وتجنّ.
لا ينفع تجاهل الخلافات، فإذ لم تعالج تتفاقم. لقد رصدت عددًا من الأمور المهمة التي يبدو أن الحركيين يختلفون بشأنها أذكر منها ما يعتقد بالاختلاف بالطروحات بين من يسمونهم البعض ذوات النزعة العلمية وبين من يسمونهم البعض الآخر "ذوات النزعة التقوية"، وكذلك بين "روحانية - رهبانية - وعلمانية"، وبين ما سمي بالإيمان الشعبي" و "الإيمان العقلاني المتفلسف"، وبين "العامودي" و"الأفقي" اللذين أرى أن لا تضاد بينهما لأن السماء، بالتجسد، صارت على الأرض. وأيضاً هناك تباين في الرأي حول الأبوة الروحية، وقد نشرت مؤخرًا في مجلة النور بعض التوضيحات حولها وطرق ممارستها في التاريخ الأرثوذكسي. لا بد من بحث كل هذه الطروحات بدقة لأنني شعرت أن هناك بعض المفاهيم التي لا تمت إلى التقليد الأرثوذكسي الأصيل والرحب بصلة. مثالاً قال أحدهم في ما اعتبره دعما لموقفه، "إن الله لا يُعرف إلا بالقلب، وليس بالعقل Auditor"، ما اضطرني أن أوضح التعليم الأرثوذكسي القويم، الذي نمى أصلاً في الأديرة، والذي يشدّد على ضرورة إنزال العقل إلى القلب"، أي ضرورة الركون إليهما معا.
حقيقة، لا يمكننا التغاضي عن كل هذه الطروحات طلبت من أحدهم أن يعدّ لائحة بما يعتبره أمورًا شائكة، فلم يلب علينا أن نضع سريعاً مثل هذه اللائحة ونبدأ ورشة عمل حقيقية تبحث في كل بنودها على ضوء التقليد الكنسي، وعلينا أن ندعو إلى حوار حولها سعياً إلى توضيح وجهات النظر وتقاربها. وإن استمرت التباينات فلا يجب أن تمس الوحدة بين الإخوة ارتكازاً إلى مبدأ الوحدة في التعددية الذي ساد تاريخ الكنيسة في كثير من الأمور التي لا تمس العقيدة.
ه - على الشباب أن يستلم زمام الأمور، ينفض الغبار المتراكمة ويقتحم العالم
ملاحظة أخيرة تتعلق بالحياة الحركية هي ندرة الشباب الذين يستلمون القيادة الفعلية. لا يتعلم الشباب سوى من الشباب. هكذا علمتنا خبرتنا الحركية وهكذا انطلقت الحركة وعاشت أفضل أيامها. أعني بالشباب الذين لم يتجاوزوا الثلاثين من العمر. أعرف أن الروح يلتهب في بعضهم. ألا نكف عن الخوف ونفتح المجالات واسعة أمامهم.
الشباب يقتحم العالم لا تستحي بشبابك، قال الرسول لتيموثاوس، بل كن مثالاً في التضحية والعمل. الشباب يمكنهم اقتحام الجبال، وجعلها تتحرك استوقفني إصرار الإخوة في المؤتمر الحركي الأخير على عدم توقفهم سوى قليلاً جدا عند أهلية الطاقات الفتية التي يمن الروح علينا بها. فاطلقوا لهم العنان. تواضعوا وميزوا مواهبهم وساعدوهم على إنمائها. نعم سيخطئون (إنما ربّما أقل من الكهول)، لكن أخطاءهم سوف تعلمهم.
حصل في عدد من الأبرشيات لغط بين القيادة الحركية والرئاسة الروحية التي أرادت أن تستلم عمل منظمات الطفولة. لم يخضع هؤلاء إلا رغما عنهم في حين يجب أن يكون التخلّي عن بعض النشاطات الحركية التقليدية حافزا لاستنباط مشيئة الله في الحركة الآن. تهتم منظمات الطفولة لدينا غالبا بالأولاد الذين يأتون إلى الرعايا، بينما نعرف أنهم لا يمثلون سوى نسبة ضئيلة من كافة أولاد كل أبرشية. أيعقل أن نتخاصم على القليل وننسى الكثير الذي لا يحظى بأي اهتمام. على شبابنا الذين يقتنعون أكثر من الكهول بضرورة البشارة (الويل لي إن لم أبشر) أن يقدموا على مثل هذه التغييرات.
كذلك يعرف كثيرون أن عددًا لا يستهان به من الشباب الأرثوذكسي يمارس وينشط لدى طوائف مسيحية أخرى. فهل تساءل أحدنا لماذا، وكيف يمكن الاتصال بهم وإقناعهم أن كنيستهم الأم بحاجة إلى طاقاتهم؟ والقول نفسه يُقال بالنسبة للمهنيين وأساتذة الجامعات وغيرهم من أبناء الكنيسة الذين لا علاقة لهم بها. على شبابنا اقتحام كل هذه المجالات، وتلبية دعوة الله اليوم، التي ليست بالضرورة دعوة البارحة، كما لبى الأولون في الحركة دعوة الله في أيامهم. عليهم أيضًا أن يعيدوا النظر بالنشاطات التقليدية الحركية إن شعروا أن الزمان مر عليها ويبتكروا أساليب جديدة للإرشاد والتواصل والنشر وكل ما يمكنه أن يسهل إيصال الرسالة السارة لأكبر عدد ممكن من الناس.
٦- رياضات روحية سر المصالحة الصلاة الشخصية
استوقفني في سماعي لمن التقيت بهم تشديد بعضهم على السهرانيات وضرورة الأبوة الروحية وما يسمونه الحياة الطقسية، وكل ذلك جيد إن لم يقع المرء في الصنمية ويرهن الحرية التي أعطاها له الله إلى ذلك لا ألاحظ هذا الهم في بعض الحلقات حيث قلما يحضر فيها سرّ المصالحة (الاعتراف) والرياضات الروحية الحقة والصلاة الشخصية غير المكتوبة إلى جانب الصلوات المكتوبة التي تحمل إلينا كنوز وضعها كبار رجالات الكنيسة الروحيين، وتنقل إلينا "خبرة" الكنيسة الأصيلة.
أذكر، فيما أذكر من أيام شبابي في الحركة، الطوابير الطويلة التي كانت تنتظر دورها لكي تعترف وأذكر أيضًا الرياضات الروحية التي لم تكن تتمحور حول نقاشات ومواضيع عامة، بل حول الإرشاد والصمت والصلاة والتأمل الشخصي في أحد الأديرة. وأذكر أيضًا أنه كنا نشجع في اجتماعات فرقنا أن يُقدم كل واحد منا على تلاوة صلاة شخصية كتبها هو وخص بها المشاكل التي يعيشها وأعضاء فرقتها. لا أدري إن سقطت هذه الممارسات. وإن سقطت يكون سقوطنا عظيمًا. وعلينا استعادتها لكي نتدرب على علاقة واعية مسؤولة مع الربّ نحاسب فيها ضميرنا ونسعى باضطراد إلى القداسة.
٧ - الحركة والكنيسة
على الحركي أن يحمل هم الكنيسة. يعتبر نفسه خادما لها، لا حق له فيها سوى التسبيح وغسل أرجل الإخوة. عليه أن يقتنع أن لا حياة له إلا في كنيسة المسيح التي رغم الصعاب التي تعترض طريقها في هذا العالم، ستتغلب على أبواب الجحيم. لذلك كل كلام يسمع أحيانًا عن إزائية بين التيار النهضوي والكنيسة، أو أن هذا التيار هو كنيسة ضمن الكنيسة، كلام فارغ لا جدوى ولا أساس له.
بما أن هوية الحركة هي الحياة في المسيح، ونظامها الأوحد الإنجيل مترجمًا حياة، وقانونها المحبة والإخوة وهم التبشير، فإنّها تيار مواهبي يحركه الروح القدس في كنيسة المسيح. وكنيسة المسيح هي وطنها الأول والأخير. هذا يفرض عليها أن تكون في شركة تامة مع شعب الله، وفي طليعته مع الأسقف الأول بين إخوة متساويين". من هنا ضرورة نبذ استعمال عبارات زاد استعمالها، أي "هم" و"نحن". لا وجود لنا بدونهم، ولا وجود لأحد بدون شعب الله عيوب الآخرين هي عيوبنا. لا يسوغ إفصاحها أو الثرثرة بشأنها، بل العمل على إصلاحها على قدر ما تكون الحركة متجذرة في المسيح يجدرها المسيح في جسده الكنيسة من النافل القول إن قطيع الحركة موجود لكي تحيا الرعية، كل رعية، ويصل أبناؤها إلى ملء قامة المسيح.
مسعاه في كل حال أن يكون دوما منفتحا على حركة الروح في كنيسة الفادي، لأنه يؤمن بأن الروح هو محرك المواهب. فيرفض هذا قطيع إذا كل بعد أو تفرج وكل تمأسس في كنيسة المسيح، ويسعى أن ينزع عنها كل رداء لا يتماشى مع طبيعتها، ويغشي رسالتها. لا خيار للحركيين سوى الاقتناع أنهم خميرة في العجنة، وليس العجنة كلها. هم خدام بطالون، همهم الإقرار بخطاياهم وأن يبقوا على التوبة، ساعين أن يكونوا سفراء ليسوع وكنيسته في العالم.
- الحصول على الرابط
- X
- بريد إلكتروني
- التطبيقات الأخرى