التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مميزة

الهوية النهضوية اليوم

 ريمون رزق


هوية نهضوية أو نهضة مسيحية؟ 

جرت العادة مؤخّرًا في أوساط حركة الشبيبة الأرثوذكسية الكلام عن "الهوية النهضوية" للدلالة على الرؤية التي قامت عليها الحركة. صراحة لم أحبز هذه التسمية، لا بل أستهجنها لأنها توحي أن الحركة تختصر النهضة وتميز خاصة الانطلاقة الحركية الأولى عن كونها، فقط وليس إلا ، حركة نحو المسيح وإحياء للهوية المسيحية الحقة. لم يخترع المؤسسون شيئًا جديدًا، بل سعوا أن يتمثلوا بالمسيح ويكونوا مسيحيين بكل ما تعنيه الكلمة. لم تكن حركتهم سوى إحدى مظاهر فعل الروح القدس الذي يدعو شعب الكنيسة باستمرار إلى العودة إلى الينابيع الأولى وإلى نفض الغبار المتراكمة على القدسات بسبب تهاون الناس وانزلاقاتهم. عمل مؤسسي الحركة تجسدت دعوة الروح القدس هذه عند الأوائل في الحركة في اتجاهين متوازيين السهر على حياتهم الشخصية والتصاقها بحياة المسيح الظاهرة في الكنيسة والمخفية في العالم. ومن جهة أخرى نقل هذه الحياة إلى أكبر عدد من الناس المتعطشين إليها من حيث لا يدرون. تلبية لهم "تنصير" حياتهم الشخصية، اخترعوا الفرقة الحركية مكانا للتلمذة ومختبرا للمحبة والأخوة. يجتمع أعضاؤها حول الإنجيل، يتوبون سوية، يختبرون معًا المحبة والأخوة والخدمة المتبادلة، فيكتسبون "فكر المسيح" ويمتلئون منه في مشاركتهم الفاعلة في ليتورجيا الكنيسة، ويتعلمون أن عليهم غسل أرجل الناس، كما فعل هو مع تلاميذه. وتلبية لهمهم الآخر البشاري، اعتبروا أن شعب الله، الذي كان يفتقر في أيامهم إلى الكهنة المثقفين ومعرضا للاقتناص من قبل تيارات مختلفة، كان يحتاج أولا إلى المعرفة القويمة. فتجنّدوا في حثّ كل فئات هذا الشعب على عيش المبادئ المسيحية فكانت منظمات الطفولة وفرق الأحداث والطلاب والعاملين والعائلات. وأنشأوا مجلة النور ومنشورات النور لنشر الفكر المسيحي، ونظموا المحاضرات العامة، وقاموا بجولات تبشيرية في المدن والقرى، وسعوا إلى تحسين أداء الجوقات الكنسية لتشجيع الناس على الإتيان إلى الكنائس. واقتنع بعضهم أن المثال الحي في التكريس الكلي هو أفضل أداة للتبشير، فأصبحوا كهنة ورهبانًا وراهبات، إضافة إلى  كونهم علمانيين وعوا تكريسهم المسيحي العام. مع أن دور الحركة كان متمحورًا آنئذ حول "التعليم"، لم يكن همها مجرد "التعليم الديني" ونقل المعلومات، بل التنشئة المسيحية ودعوة الناس إلى نهضة شاملة متمثلة بالحياة الحقة في المسيح. وقد تفهم الشعب الأرثوذكسي آنذاك هذا الهم ونظر إلى الحركة بعين العطف والترحاب والمساندة. 

كتب مراقبون أرثوذكسيون في ستينات القرن الماضي، أن الله أعاد الكرسي الأنطاكي، الذي كان نموذجا لكنيسة تحتضر[i]، إلى الحياة بواسطة عمل الشباب الحركي. فحظي الكرسي الأنطاكي ببطاركة ومطارنة وكهنة ورهبان حسب قلب الله، وأنشأ معهد اللاهوت ومدارس، وانطلق في طريق نهضة مليئة بالآمال. الوضع الكنسي اليوم من يقارن أوضاع هذا الكرسي في أربعينات القرن الماضي وما هو عليه الآن، لا يمكنه إلا أن يشهد على تطوّر ملحوظ وهم متزايد بالرعاية من قبل الرعاة رغم الصعاب المتزايدة أيضًا. تُرى هل تتغيّر هوية الحركة النهضوية، أمام هذا الواقع الجديد ؟

الحياة في المسيح والنقد الذاتي

حتما لن تتغيّر الهوية، بل لا بد من النظر إلى الأساليب. تبقى الهوية تنصير الحركيين وجعلهم مسيحيين راشدين بواسطة التشديد على أهمية الفرقة الحركية لدفع الحياة في المسيح[ii] والعيش الدائم في حضرة الله. ويستمر أيضاً التأمل الدائم بالكتاب المقدس كحوار بين الله المتكلم فيه والإنسان السائل والمنتظر رحمة الله لاكتساب فكر المسيح. وتُعطى المشاركة في حياة الكنيسة الليتورجية زخمًا متزايدًا ليتذوق الحركي فيها طعم الأبدية، يمارس مع الأخوة كهنوته الملوكي، ويختبر بمعيتهم حلول السماء على الأرض. وتستمر بقوة متزايدة الدعوة إلى التكريس الكهنوتي والرهباني، وحمل هم الكنيسة والمساهمة في رفع كل غضن عنها لكي تفعل دورها كضمير العالم وتشهد فيه لمحبة الله ومحبّة البشر. ويرافق هذا الاستمرار أيضًا نقد ذاتي بناء لما آلت إليه، في بعض الأحيان والأمكنة، ممارساتنا الحالية من عدائية  صدامية، وانزواء وتقوقع، وثرثرة، وإدانة للآخرين، وافتقاد المحبة المتسامحة والأخوة المحبة المتضامنة، تضعضع الهم الكنسي الحقيقي. تتطلب هذه الانحرافات بحثًا جديا لتأكيد متطلبات العضوية الحركية، وحث المنتسبين على تطبيقها أو التخلي عن الصفة الحركية. كما تتطلب أيضًا بحثًا جديا لضعف علاقة الحركة مع الشعب الأرثوذكسي وانخفاض العطف والمساندة الذي كان يكنها لها، واستبدالهما أحيانًا بانتقاد لاذع ومقاومة. قضية الطفولة و"التعليم" عامة أما من جهة الأساليب فلا بدّ من تفكير، ليس فقط في تطويرها وتحديثها، بل في تغيير بعضها. هذا يتطلب أوّلاً تأملاً صافيا بواقع الكنيسة والحركة. ليس المجال هنا للتوقف تفصيلاً عند واقع المؤسسة الكنسية. إنّه مزيج من التجليات والتعثر، كما في كل التجمعات البشرية من التجليات تزايد المعرفة والهم التعليمي عند الرعاة، واتجاههم إلى اعتبار "التعليم" إحدى مهامهم الرئيسية، وهذا حق لهم. من هنا التأزم الحاصل هنا وهناك بين بعضهم والحركة التي كانت مؤتمنة على هذا التعليم، ولا تزال تخصص له طاقات بشرية طائلة. سوف يزداد هذا التجاذب مع ما يحمله من توترات، وما يعتبره البعض "اغتصابًا" من قبل الرعاة وعدم عرفان بالجميل على الحركة أن تعي أنّها تولّت هذا العمل في الرعايا وكالة عن الرعاة عندما كانوا لا يهتمون به أو غير مؤهلين. لذلك يجب التعاون الكلي مع الذين يريدون توليه والسعي لإقناعهم أنّ الأمر لا يختصر على "التعليم الديني" الجاف، بل على تنشئة حقيقية واعية، ووضع الخبرات في خدمتهم، إن شاؤوا. لكن الجدير بنا هنا التساؤل كم ومن يطال التعليم في الرعايا. رغم انعدام الإحصائيات الدقيقة، يتفق الجميع على القول إن عدد الذين يؤمون الرعايا بانتظام لا يتعدّى %7 او 8% من مجموع الأرثوذكسيين القاطنين في محيطها، وأن هذه النسبة ترتفع إلى ۱۰% في مناسبات الأعياد الكبرى. إذا اعتبرنا أن كل العائلات التي تأتي إلى الرعية يكلفونها بتنشئة أولادهم مسيحيا وهذا ما لا يحصل غالبًا ، تكون نسبة العائلات التي يطالها التعليم ضمن إطار الرعية تكاد تصل إلى 8% من مجموع العائلات القاطنة في محيط الرعية الجغرافي. ترتفع هذه النسبة في القرى وبعض المناطق، لكنها تبقى قليلة، على الأقل في لبنان، وربما ترتفع في أحسن الحالات في سورية. 

مهما كانت الأرقام، علينا أن نعي أنّ العمل التعليمي ضمن الرعايا لا يطال إلا نسبة متواضعة من الشعب الأرثوذكسي، مع كل ما تطلبه من طاقات بشرية. واقع الأكثرية فمن يهتم إذا بالأكثرية، أولادًا وكهولاً؟ غالبًا لا أحد، لأنّ العادة الرعائية القائمة في معظم الأوساط الكنسية، تقضي بالاهتمام بمن يأتي إليها وتجاهل من لم يُقدم. فالذين لا يأتون من الأرثوذكسيين، إهمالاً أو لا مبالاة أو اعتراضا أو التزاما في كنائس أخرى أو ابتعادًا عن الإيمان، فلا من يهتم بهم. لا يزال معظم هؤلاء يعترف بهويته الأرثوذكسية، لكنه يعترف بالطائفة وليس بالكنيسة. تربّى الكثير منهم في مدارس كاثوليكية أو إنجيلية وتشرب تعاليمها. والكثير الكثير من الشباب يعيش في لا مبالاة كاملة بالنسبة للدين، متأثرًا بالمفاهيم العصرية الدنيوية. أضف إلى ذلك الانتقادات اللاذعة التي تُوجّه إلى المؤسسة في الكنيسة وبعض تصرفات الرعاة والتي تبعد الناس شيئًا فشيئًا عن الكنيسة. ولا بدّ من الملاحظة أن العدوانية التي ظهرت في الغرب تجاه الكنيسة بدأت تتسرب إلينا. يشبه هذا التجاهل للكنيسة أو الابتعاد عنها، لا بل محاربتها، إلى حد كبير ما عاشته المسيحية في قرون انطلاقتها الأولى، ما يجعل من عصرنا نسخة طبق الأصل تقريبا عن العالم الوثني الذي شهد هذه الانطلاقة. الامتثال بالمسيحين الأوائل في عالم تطغى عليه التقنيات ويميل إلى اختزال فرادة الإنسان، وعلاقته الصميمية من الله الذي خلقه على صورته ومثاله، نحن بحاجة إلى التأمل بعذوبة البشارة الأولى ونقاوتها، والتزام المسيحيين الأوائل واستعدادهم لبذل كل شيء من أجل يسوع القائم من بين الأموات. يتيح لنا البحث في تاريخهم النظر إلى واقعنا بأعين مختلفة، مستنيرين بنور القيامة الذي كان دومًا حاضرًا في تطلعاتهم. ويروي عطشنا إلى الشركة والأخوة والمحبّة، التي طالما نفتقدها في عالم يؤله الإنسان وفردانيته. نجد في أعمال الرسل أنّهم، إضافة إلى متابعة تعاليم الرسل والشركة في كسر الخبز والصلوات ، يداومون ... على الحياة المشتركة" (الأعمال ٢: ٤٢-٤٧)، إذ ... هذا كان في البدء. إذا توقفنا عند رسالة[iii] كتبت في القرن الثاني عن تصرفات المسيحيين، نجد بعض الدلائل على تأثيرهم على المجتمعات المحيطة. ليس المجال هنا التبحّر في هذه الرسالة[iv] ، بل نكتفي بالإشارة إلى أهم مضامينها في وصفها للمسيحيين:

  • "لا يختلفون عن سواهم من أبناء البشر ... لكن أسلوب معيشتهم الملائكية يكاد لا يُصدق....
  • يسكنون المدن كأنهم غرباء عنها. يتممون كل واجباتهم كسائر المواطنين، لكن يتحملون كل شيء كمسافرين....
  • يشاركون طعامهم مع الجميع، ولكنّهم لا يشاركون فراشهم....
  • هم في العالم، ولكنهم لا يعيشون بمقتضاه ....
  • يطيعون القوانين المرعية، ولكنّهم يتقيدون بأكثر منها في حياتهم الخاصة.
  • يحبّون جميع الناس....
  • إنهم فقراء ... يعوزهم كل شيء، ولكنهم ينعمون بكل شيء....
  • بمحبتهم لله، (يتمثلون بصلاحه ... يتمثل بالله من يحمل ثقل المسكين، ويوزع بسخاء على المحتاجين الخيرات التي منحها له الله ليوصلها إلى المحتاج". وتنتهي الرسالة بالقول إن "من يعتبر أنّه يعرف شيئًا بدون العلم الحقيقي الذي تشهد له الحياة، يخدع نفسه ولا يعرف شيئًا". يبين كل ذلك أن تبشير المسيحيين الأوائل كان يكمن أولا باستقامة حياتهم وتفانيها ومحبتهم لبعضهم البعض والآخرين وشهادتهم الحية للعلم الحقيقي"، مرتكزين على المثال الحي والخدمة. تعالى وانظر: ينجذب الإنسان أولاً بحياة مشعة، حرّة ومعطاء، ثمّ يريد أن يعرف المزيد، فيتعلم. وكان تعليم الموعوظين آنذاك يدوم بضع سنوات، إذ لم يكن يُقبل ضمن الجماعة المسيحية سوى المقتنع حقا الذي يريد المطابقة بين قناعته وحياته. 

علينا اليوم أن نتمثل بالمسيحيين الأوائل، وإلا ستغرق الكنيسة في المؤسسة التي بدل أن تنظم وجودها على الأرض ستنتهي إلى خنق رسالتها. نحن بحاجة قبل كل شيء آخر إلى أناس ينظرون إلى واقع كنيستهم بعيدًا عن الانتقاد والتذمر، ويقتنعون أنّ العلاج يبدأ بهم في طوقهم إلى القداسة وعيش المحبة الخادمة. فلا بد إذا من توجيه من يريد الإلتزام إلى هذه الأولوية. يتطلب ذلك الكثير من التهيئة والتدريب على معرفة حيّة للمسيح وتاليا اكتساب المحبة التي تأتي قبل المعرفة وتدعو إلى الخدمة والتواصل المصغي إلى حاجات الناس والكنيسة والمجتمع، وإلى ابتكار أنماط حياتية وأعمال تبشيرية جديدة تحاكيهم. التواصل والاتصال كتب أحد الأخوة الحركيين [v]، معلقا على مبدأ الحركة الأول[vi]: "هذا المبدأ يفرض هم السعي الدؤوب ليلامس الفكر النهضوي جميع أبناء الكنيسة الأرثوذكسية. لذا هو يحتم الانفتاح، والانفتاح يغاير التقوقع. لا حاجة لإطالة الكلام عن تلازم العضوية في الحركة والبشارة. يجب تأكيد حتمية الانفتاح على الآخرين لننقل لهم بشارة قيامة المسيح. والآخرون يتعدّون أبناء الكنيسة الأرثوذكسية إلى العالم أجمع". ما أروع هذا القول إذ يلخص كل ما نويت قوله. إذا أردنا مزيدًا من التلخيص يمكننا القول إنّ الهدف الذي يضعه الله أمام الحركة اليوم بإلحاح هو نقل البشارة السارة إلى أكبر عدد ممكن من الذين لا يؤمون الرعايا، ومن خلالهم إلى أكبر عدد من الذين يعيشون في محيطهم. يتطلب ذلك عمليا:

  • إجراء إحصاء علمي شامل لأبناء الطائفة لمعرفة أماكن وجودهم وتكوينهم العائلي ومهنهم. يشمل هذا الإحصاء أبناء الرعايا ومن يسكن في محيطها، كما يشمل الأرثوذكسيين الكثر الذين يلتزمون في هيئات غير أرثوذكسية ويمارسون فيها مسؤوليات.
  • رصد اهتماماتهم ودراسة الطرق الأنجع للتواصل معهم ومخاطبتهم. وتحضير البرامج والأساليب المناسبة لتسهيل هذا الاتصال ونشر الكلمة في أوساطهم. ودعوتهم بانتظام إلى محاضرات وحلقات بحث حول اهتماماتهم وحياة المجتمع وشؤون الكنيسة والطائفة، مشدّدين على أنّهم مدعوون جميعًا للعمل من أجل قيام المشاركة الحقيقية داخل الجماعة الأرثوذكسية.
  • تجنيد الحركيين لهذا العمل وإقناعهم بضرورته الماسة وتأهيلهم على كفاءات التواصل وحثهم على نبذ التقوقع والانفتاح على الآخر ، كل آخر، لنقل الرسالة الخلاصية إليه بلغة يفهمها تحاكي اهتماماته وأوضاعه وتدريبهم لقبول التعددية والتفاعل مع من يخالفهم الرأي والتطلعات.
  • التنسيق مع الرعاة وتجنيد كل الإمكانات الكنسية لإنجاح هذه البشارة.
  • الانفتاح على التجمعات الأرثوذكسية كافة لتساهم قدر إمكاناتها في هذا العمل. متطلبات الخروج من الانزواء يتطلب ذلك من الحركة أن تخرج من إنزوائها الراهن وتأمين حضورها الشاهد على الصعيدين المسيحي والوطني في مدى الكرسي الأنطاكي والعالمي، والتفاعل الحقيقي مع مشاكل الناس يكون ذلك بالاتصال المحب بمن لا يشاركنا الرأي، في الكنيسة الأرثوذكسية وخارجها، والتعامل معه، "لا بالسخرية والصدام والمواقف الإلغائية، بل بمواقف احتوائية وحوارية وتوضيحية"[vii]، بعيدة عن روح التحزب وفوقية المتسلطين والانفتاح على المؤسسات الاجتماعية والثقافية الناشطة في بلادنا والقيام بمشاريع مشتركة معها. كما الانفتاح على العمل المسكوني وعدم الخوف من فقدان هويتنا الأرثوذكسية بمعاشرة الآخرين، بل النظر إليهم مجالاً لإعلان إيماننا ومساهمة منا متواضعة لعيش الأخوة مع كل من يؤمن بربنا يسوع المسيح، تلبية الصلاته الملحة إلى أبيه أن يكون الكل واحدًا". وقد كانت الحركة منذ انطلاقتها الأولى فعلاً في هذه المجالات، لا بل سباقة فيها، قبل أن يخمد الصوت وتنغلق على نفسها، خائفة من أي آخر ومن كل جديد . حققت الحركة آنذاك فهما أفضل للأرثوذكسية من قبل غير الأرثوذكسيين وأمنت حضورًا مسيحيا أصيلاً مشتركا المجابهة مشاكل الناس. ويقتضي الخروج من الانزواء أيضا استعمال الإعلام وأدوات التواصل الاجتماعي ليس فقط للإعلان عن النشاطات، كما يُفعل عادة، لكن لإطلاق الرؤى والمواقف. يتطلب ذلك إنشاء وحدات تفكير يوكل إليها صياغة مواقف مسيحية شاهدة تجاه كل ما يتعلق بتحديات الحداثة والمناقب المسيحية وأمور الناس المصيرية عمليًا لا بدّ من إنشاء هيئتين دائمتين للقيام بهذا العمل مكتب للدراسات والأبحاث ومركز إعلامي. لا شيء جديد في هذا السعي إذ أنشأ في الحركة في الماضي مركزا للدراسات، لكن لم يُعطى أن يكون فعالاً. وقد نصت وثيقة الإعلام الصادرة عن أحد المؤتمرت الحركية[viii]: "الكنيسة بحاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى لنشر الرسالة في شتى الأوساط لكي يتكوّن في أنطاكية رأي عام أرثوذكسي متفهم لأصالة الدعوة الإنجيلية، ومستعد للانخراط في كل عمل نهضوي... كل هذه الأسباب وغيرها تجعل من الضروري أن تنظر الكنيسة بأسرع وقت إلى كيفية استعمال أساليب الإعلام الحديث من أجل نشر الكلمة وتنصير أبنائها والمساهمة في تحرير أبناء البلد من التأثيرات الهدّامة المختلفة". يدل هذا الكلام أنّ الحركة وعت ضرورة الإعلام منذ نصف قرن تقريبًا، لكن ويا للأسف، لم تفعل شيئًا تقريبًا في هذا المجال إلى أن وصلنا إلى "السبات" الإعلامي الكلي الذي نعيش عليه اليوم. يتطلب نجاح أي عمل إعلامي وتواصلي إرادة وحيوية ورغبة في توسيع الآفاق والخروج لاكتشاف الآخر وملاقاته الكنيسة وتاليا الحركة التي تنزوي على نفسها، مستغنية عن الانفتاح التبشيري الويل لي إن لم أبشر!)، وتستقيل أمام دينامية التواصل وضرورة تعديل لغتها لتفهم، تضع ذاتها حتمًا على طريق السبات والموت. بعض الاهداف العملية الأخرى من يقتنع بهذا المسار ويريد الالتزام به يجد أمامه تحدّيات كثيرة عليه اقتحامها والتجند لمواجهتها ومجالات كثيرة للخدمة، أهمها: عيش الشورى داخل الحركة والجماعة الكنسية غير صحيح القول إننا لا نحتاج إلى الشورى في الجسم الحركي. يبدو لي أننا نتدغدغ بها معتبرين أننا نعيشها، ولكن ليس دائمًا. ولا فائدة من القول إن أسس الكنيسة وقوانينها يفرضون الشورى، إذ نعلم كل العلم أنها لا تعيش عليها، إذ يسودها كثير من الفردانية والتسلط. أنشأت الحركة منذ عدد من السنوات ما سُمّي بال اللقاء الأرثوذكسي الرعائي"، ضم إلى حركتين نخبة من أبناء الكنيسة. كان هم توطيد العلاقة بين الإكليروس والعلمانيين خاصة، ونشر ثقافة الشورى عامة في الأوساط الارثوذكسية بواسطة الإلحاح على تأليف المجالمس الكنسية المختلطة بين الكهنة والعلمانيين. زار أعضاؤه البطريرك وكل مطارنة الكرسي الأنطاكي في لبنان وبعض الفاعليات، طالبين أن تنفذ الأنظمة الكنسية بتأليف المجالس على مختلف مستويات العمل الكنسي من الرعية إلى الأبرشية وصولا إلى المدى الأنطاكي. أثنى بعضهم على النية ووعدوا خيرا. وقال البعض الآخر إنه سوف يُقدم على تأليف هذه المجالس إذا أقدم غيره أولاً . آخرون بينوا الصعوبات. أحدهم قال: أتريدون لي أن أنشأ هيئات لتحاججني ورفض الفكرة إلى ما هنالك من أجوبة تنوّعت حسب الأشخاص والمواقع. في النهاية لم يفعل شيئًا وسقط المشروع، ولا يزال معظم المطارنة يديرون أبرشياتهم بدون مجالس أبرشية، ما يشجع العمل الفرداني والسلطوية وانعدام الشورى أمام هذا التقاعس في تطبيق الأنظمة، شعر كثير من الأرثوذكسيين أن لا مكانة لهم في الكنيسة، فأخذوا يؤسسون هيئات وتجمعات ملية صنفوهها "أرثوذكسية"، تنطق باسم الأرثوذكسية على هواها بمعزل عن الرعاة يستحق هذا الأمر أن يتجند له الحركيون لئلا تتوسع الهوة القائمة بين الإكليروس والشعب. يدخل أيضاً في نطاق حسن تأليف المجالس الرعائية والأبرشية والبطريركية السعي لتوطيد الوحدة والتفاهم والتناغم بين الرعاة وبينهم والبطريرك، وجعلهم يتحسسون أكثر إلى تفكك وحدة العالم الأرثوذكسي والسعي إلى التوسط لإحلال السلام، كما فعلت دومًا كنيسة أنطاكية عبر التاريخ. الانفتاح على تحديات العصر المجال الآخر الذي يجب أن يسترعي اهتمام الحركة هو العمل على تفعيل مركز الدراسات والأبحاث لتوضيح الرؤية الأرثوكسية تجاه كل مشاكل العصر وويلاته 9 الدهرية والعولمة، الفردانية، فقدان معنى الحياة، تضعضع القيم التقليدية، عدم التوقف باحترام أمام قدسية الحياة لا بل التلاعب بها العنف، انتشار المخدرات والإدمان سعيا وراء الانتعاش والمعنى وإطلاق العنان للحرية الشخصية بدون ضوابط. إذا أردنا أن يدخل المسيح إلى قلب الناس وإلى فكرهم، لا بد لنا أن نعرف ماذا يسكن في هذه القلوب والأفكار لكي نجد اللغة المناسبة لإيصال البشارة. ولا بد لنا أن نرصد ما يجري حولنا وفي العالم، والسعي إلى فهم التطورات التي ترافق عادة كل نمو بشري، بدون خوف أو تزمت، وبدون إنغلاق أو إنفلاش من حرّره المسيح لا يخاف بل يصغي بممحبة وانتباه إلى الويلات التي يعيشها الناس. تجربة التقوقع والانعزال المسيحي معرّض للوقوق في تجربتين في موقفه تجاه هذه المدنية الجديدة: الأول والأكثر رواجًا تجربة اللعنة والرفض وتاليا التقوقع والعيش بعزلة شبه تامة عن الواقع وما يجول في أفكار الناس، والتمسك، دفاعًا عن التقاليد التي ليست دائما تمثل التقليد الشريف، بحرف النصوص والقوانين والتبيكونات. يعتبر مَن يُعرض لهذه التجربة أنّ الحداثة هي تكملة كونية لخطيئة آدم تؤدي إلى رفض الله الله مات والعدمية. من هنا الانعزال في برجهم العاجي ورفض كل تعامل مع العالم وهرطقة كل من لا يتبع سبيلهم. هؤلاء ما يقاربون سريعًا النزعات الأصولية، وما أكثرها اليوم عندنا وفي العالم الأرثوذكسي. هؤلاء يصرون على مخاطبة الناس بلغة القرون الوسطى، ويستغربون لماذا لا يجدون إقبالاً، فينعتون الإنسان المعاصر إنتقاما بكل الأوصاف الشيطانية. تجربة الانفلاش والتبعية أما التجربة الثانية فتكمن في قبول المدنية الجديدة بدون أي مساءلة وتمييز. فيدعي الواقعون فيها أن الحرية لا حدود لها وأنها تسمح بكل شيء، ويُطلقون الأحكام المبرمة على كلّ من ينتقد أحد مظاهر هذه المدنيّة المستشرية في العالم الغربي، وينعتونه بالجهل والرجعية. هؤلاء يعتبرون أنّهم فعلا معلمي المسكونة" فيتخذون في خطابهم لهجة فوقية، مليئة بالإدانة، ناسين أنّ آباءنا علمونا أن نرفض كل إدانة لأن الله وحده هو الديان. الموقف المسيحي السليم يقضي الموقف المسيحي السليم عدم التماشي، لا مع الأصولية ولا مع التبني الكلي للنظريات الدهرية. الروح القدس هو الذي يرشدنا إلى الطريق، ويلهمنا إلى نقل الأبدي من التراث المقدّس بأساليب تتفاعل مع هموم الناس، بعيدًا عن كل تشنج وتعصب وتعلق بعادات مرّ عليها الزمن تغشي غالبًا صفو الرؤية الإيمان لا يتغير، ولكن أساليب نقله خاضعة دومًا لمفاهيم البشر وتطلعاتهم. يعلم الروح ترجمة الفكر الإنجيلي الواحد غير المتغيّر إلى لغة إنسان اليوم. فبدل إجترار ما قاله الآباء بلغة عصرهم، علينا إبراز فكرهم وإعادة صياغة ما قالوه بما يعطينا الروح من إمكانيات وتطلعات لننقل محبة الله، بواسطة حياتنا وأقوالنا وإصغائنا للآخر، إلى قلوب معاصرينا. مساءلة أوضاعنا لتقويمها يتطلب هذا الموقف منا مساءلة التقاليد البشرية التي أثرت على ممارساتنا، وكل ما أصبح في حياتنا الشخصية والجماعية حجابًا يمنع نور المسيح من الظهور. سنفعل ذلك بالتوبة والعمل المتواضع الدؤوب لعودة جماعة الكنيسة إلى نقاوة الجماعات المسيحية الأولى، ونفض كل غبار تراكم على كنوزنا الروحية. علينا اتباع موقف المسيح مع السامرية في كل عمل نهضوي، وفي كل مواجهة لتحديات العصر: ألا نخاف من الآخر الذي لا يشبهنا بل ندخل في حوار معه أن نخاطبه بتواضع ومحبة ونستمع إليه بانتباه ألا ندينه لخطأ وقع فيه، بل ننطلق من واقعه لكشف النور له. ألا نتكبر عليه بمعرفتنا إذ نحن لا نعرف كل شيء، المسيح هو الذي يعرف. لذلك علينا ألا نظهر له الدين كمجموعة من الوصايا. لا بدّ من الوصايا، لكن الله وضع في طليعتها، بعد محبّة ال ، له محبة الإنسان كنفسنا علينا، في كل حوار مع من لا مشاطرنا الإيمان أو الراي، أن نحاول تحسّس حضور المسيح حيث يبدو غائبًا أو حتى مرفوضا، ونحمل مسؤولية هذا الرفض وجعله صليبنا[ix] . وكما يقول اللاهوتي الفرنسي المعاصر، أوليفييه كليمان[x] : "إذا لم يعرف المسيحيون كيف يجدون لأنفسهم مكانًا في المجتمع الدهري، سيفسحون المجال واسعا للديانات المزيفة". الإصلاح الشامل مخاطبة عالم اليوم وتبشيره يفرض علينا إصلاحًا جذريا وشاملاً يطال حياتنا الشخصية وحياة الكنيسة ومؤسساتها ونمط علاقتها مع أبنائها ومع العالم ووسائل شهادتها. لذا من الضرورة القصوى اليوم أن نتجذر أكثر من أي وقت مضى في الموعظة على الجبل، والإقلاع عن الثرثرة والأحكام والإدانة، وعيش المحبة والسهر أن يكون كل خطابنا التعليمي والبشاري تعبيرًا عنها، لأن بالمحبة والخدمة لا بالمعرفة يخلص الإنسان، كما يعلمنا مثل الدينونة. ليس المطلوب منا إعطاء العالم "وصفات" لاهوتية معزّزة باستشهادات آبائية، بل أخذ كل أقوال الرب في الإنجيل على محمل الجد وتجسيدها لخلق تحسّس جديد وعقلية جديدة، فنتجرأ أن قول لمن يسألنا عن إيماننا: "تعالى وانظر كيف نعيش لأنّنا عرفنا يسوع فأحببناه واقتدينا به. الزهد وضبط النفس أمام عالم متعطش للتملك، علينا التذكير أنّ كلّ ما لدينا هو من الله، وأننا لسنا سوى وكلاء عليه، نمارس الزهد والتقشف والصوم، ونساعد المحتاج، و"نملك كأننا لا نملك" ( 1 كورنثوس ۷ ۲۹-۳۱). أمام عالم يبحث عن نفسه وعن المعنى، غالبًا بقلق ومرارة، علينا أن نعرف أن نستعيد في كتاباتنا وشهادتنا ذلك "الفرح العظيم" الذي يتحدث عنه إنجيل لوقا (۲) ١٠، ٢٤ : ٥٢ ، والذي يدعونا المسيح إلى الثبات فيه. الصلاة والمجانية في عالم يعاني من أزمة روحية بامتياز، ليس الوقت أن يستهتر المسيحيون بما يبدو للعالم عديم الفائدة (الصلاة، الليتورجيا القداسة، المجانية)، بل عليهم أن يعطوا أهمية فائقة للعيش الدائم في حضرة الله، والدخول في علاقة شخصية معه. التواصل والترحاب في عالم سادت فيه الفردية، وانحلت الروابط العائلية، وسمّر الشباب والعجائز على صليب الوحدة، علينا تحويل جماعاتنا الإفخارستية ومؤسساتنا الكنسية إلى أماكن ترحاب وشركة حقة، تُختبر فيها وحدة البشرية بغض النظر عن الخلافات والاختلاف بالآراء، وتتحوّل السلطة فيها إلى خدمة، والتملك إلى تقدمة. أماكن يُحقق فيها في الأسرار التقاء الزمن بالأبدية والسماء بالأرض. لا بد في هذا المجال إيجاد مناسبات للتواصل مع أبناء الكنيسة الذين لا يمارسون، بتنظيم لقاءات ومحاضرات حول المواضيع التي تهمهم وتوجيه رسائل لهم نسألهم فيها عن آرائهم في الحضور الكنسي واقتراحاتهم لجعله أكثر قربة منهم والمجالات التي يمكنهم الخدمة فيها. عندها يخرج العمل الحركي من انحصاره في الرعايا ويطال من لا يؤمونها. العنف ومحبة الأعداء في عالم يحتدم فيه العنف مشرّدًا الملايين، علينا مدّ يد المعونة وقلبنا إليهم، ونلتزم شخصيا بالثورة الإنجيلية التي وحدها يمكنها أن تقضي على دوامة الإعتداء والثأر الجهنمي، بواسطة محبّة الأعداء والصلاة من أجل المسيئين ومباركة اللاعنين، الذي يقول القديس سلوان الآثوسي أنها علامة المسيحي الفارقة التي تشرع أبواب السماء. الحرية بلا حدود والأخلاق في عالم يُستباح فيه كل شيء باسم الحرية علينا أن نبين بواسطة طريقة عيشنا وتصرفاتنا واحترام الآخر، كل آخر وحريته والانفتاح على اختلافه والاهتمام الدائم بالتحدث مع الإنسان فيه، وممارسة الطاعة المتبادلة" معه (أفسس ٥: ٢١)، "أن الأمر مختلف بالنسبة لنا" (لوقا ۲۲ : (٢٦). وأنّ مقاييس القيم لدينا هي تلك التي عددها بطرس الرسول حين قال: "قدّموا في إيمانكم فضيلة، وفي الفضيلة معرفة وفي المعرفة تعفّفًا، وفي التعفف صبرًا، وفي الصبر تقوى، وفي التقوى مودة أخوية، وفي المودة الأخوية محبّة (۲) بطرس ١ ٥-٧ . ويضيف بولس الرسول: "البسوا كمختاري الله القديسين المحبوبين أحشاء رآفات ولطفا وتواضعا ووداعة وطول أناة، محتملين بعضكم بعضا وغافرين) ... وقبل كل شيء البسوا المحبة التي هي رباط الكمال" (كولوسي : (١٢-١٤). إذا عرفنا اليوم كيف نحفظ هذه الوصايا حرفيا ونطبقها، ربما نستطيع مجددًا إبراز وجه ربّنا الحقيقي الذي ما زلنا نشوهه. أمام الفلتان الأخلاقي وتلاشي القيم التقليدية في أيامنا، تعلمنا المحبة، إن اتخذناها قانونا ثابتا لحياتنا، تجنّب التساهل تجاه هذا الفلتان، والإصرار على قدسية الحياة وعدم التلاعب بالإنسان جينيا، والتأكيد على أنّ الولد، منذ تكوينه الأول، ذات فريدة في تواصل مع أمه وأبيه الذين ائتمنا عليه. أما بالنسبة إلى العلاقات الجنسية خارج الالتزام المحبّ، فعلينا أن نتحلى بالشجاعة لنسبح عكس التيار، معلمين أن الحب يشترط هبة كاملة للذات ومسؤولية متبادلة والتزامًا يتجسد في الزواج. أي نوع من العلاقات التي لا تحترم هذه المبادئ، حتّى إن غلفتها العاطفة، تجزئ الإنسان، وتحوّل العلاقة الشخصية، إلى مجرد لمس أجساد. الفقر والبطالة في عالم يشكو من أزمات إقتصادية ويتكاثر فيه الفقر والبطالة، على المسيحيين عدم الإكتفاء بالتعزية والشفقة، بل تأمين مراكز إغاثة ومقامات طبية اجتماعية وبرامج للتبني المدرسي لإعانة المحتاجين، ومكاتب توظيف تؤمن فرص عمل حسب استطاعة أبنائها، وفتح أبواب المؤسسات الكنسية للعاطلين عن العمل من أبناء الكنيسة. ليس الالتزام الحركي في الخدمة الاجتماعية مجرد مجال لتدريب الحركيين على العطاء والخدمة، كما قال مؤخرًا أحد القادة الحركيّين، بل سعيًا جديا لمحاربة الجوع والمرض والظلم وتأمين التحصيل المدرسي. ولا ريب أن تدخل الكنيسة میدان المؤسسات ذات الطابع التجاري كالتعاونيات والمشاغل لتؤمن العمل والمعنى لأبنائها المحتاجين. وإلا كل كلامنا عن "سر" الأخ" الذي يوازي "سر" المذبح"، برأي الذهبي الفم، والذي لا نكف عن ترداده، يكون كلامًا فارغا. أضف إلى ذلك العمل على إقناع الفقراء أنهم أسياد في الكنيسة، كما كان الحال في البدايات. تذكر إحدى المجموعات القانونية، التي وضعت في أواخر القرن الثاني أو أوائل القرن الثالث، أنه إذا دخل فقير أو شيخ إلى الكنيسة، ولم يجد له مكانًا يجلس فيه، يقوم الأسقف من كرسييه ويدعوه إلى الجلوس فيه. المخدرات في عالم فاقد معنى الحياة يندفع شبابه إلى المخدرات سعيًا وراء النشوة والانفراج لا يمكن أن نقف متفرجين غير مبالين بل علينا التجنّد لخدمة هؤلاء وإطلق حسب طاقتنا برامج تكافح كل أشكال الإدمان. الإعاقة  في عالم كثر فيه المعوقون بسبب الحروب والويلات، لا بد من صبّ عطف الكنيسة عليهم وجعلها تهتم بهم. يبدأ هذا الاهتمام بتأمين مداخل مخصصة لهم في الكنائس ليشعروا أنه مرغوب بهم فيها. ولا بدّ أيضًا من تنظيم حلقات إنجيلية خاصة بهم، تستعمل فيها مختلف أساليب التواصل معهم. إنّ خبرة بعض المراكز الحركية في سوريا في التواصل مع الصم والبكم يجب أن تُعمّم ويهتدى بها. جعل الممارسات السياسية أكثر إنسانية واستقامة الاشتراك مع هيئات العراك المدني لجعل النظام الأرضي أكثر إنسانية هو مجال آخر للإلتزام الحركي المسيحيون العائشون في العالم هم سفراء الكنيسة إليه، وعليهم التعاون مع الآخرين في الدفاع عن المظلومين والمساهمة في إحلال العدالة والوئام بين الناس والحفاظ على كرامتهم وحقوقهم. يطال هذا الالتزام كل مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية والفنية، ويحارب كل استغلال وفساد وكراهية يتغمدها على من يدخلون هذه المغامرة السهر الدائم أن يكون نهج تحركهم إنجيليا ومرتكزا على المحبة الفاعلة واحترام القيم الإنسانية والاهتمام الحقيقي بمشاكل الناس. يقول أوليفييه كليمان في هذا الصدد: "إنّ الطريقة التي يتكلم بها الإنسان عن الأمور الأرضية، لا تلك التي يتكلّم بها عن الله، هي التي تسمح لنا أن نميز إذا ما ذاقت نفسه يومًا لهيب الله[xi]. وعليهم أن يعملوا لتستعيد الطائفة الارثوذكسية في بلادنا دورها التقليدي، والذي يبدو أنّها خسرته، أن تكون لا طائفية وجماعة صانعة السلام وجسرًا بين مقومات المجتمع، عالمة أنّ الجسر تدوسه الأقدام، لكن مع ذلك يؤمن العبور. الحفاظ على البيئة في عالم يعزّز باضطراد كل معالم العولمة على المسيحيين، بدل تكفير هذه النزعة، أن يتذكروا أنهم مدعوين لتحمل مسؤولية كونية. جماعتنا الإفخارستية تقدّم لله العالم وكل ما فيه قبل الذبيحة الحيّة غير الدموية: "التي لك مما لك نُقدمها لك على كل شيء ومن جهة كلّ شيء". يقول أوليفييه كليمان إنّ هذه المسؤولية تقتضي أولاً إبقاء الأرض بالصلاة مفتوحة على السماء. فإنّ الإستحالات الأسرارية والتبركات الكنسية والصلوات الجماعية والفردية، تعم العالم وتغمره بالنور بصورة خفية. وتمتد هذه المسؤولية إلى البيئة وحماية الطبيعة والمحيط البشري. وقد أكد المثلث الرحمة البطريرك أغناطيوس الرابع على ضرورة مقاربة ليس فقط أخلاقية، بل أيضا روحية وأسرارية وليتورجية، لمشكلة البيئة ... وإبرام ميثاق إفخارستي بين الإنسانية والأرض التي تبقى دائمًا بمثابة أم لنا". على قلب الإنسان أن يتوسع بواسطة روحانية تدمج الكوني بصداقة البشر. يُحضّر بذلك تجلي الكون. بقدر ما يبتعد الإنسان عن الطبيعة تجرّه حريته المنحرفة إلى تجاهلها واحتقارها أو تشويهها. الوحدة الأرثوذكسية مع أنّ العالم أصبح قرية كبيرة سهل فيه التواصل، تزامن نموه هذا مع تباعد الجماعات الكنسية عن بعضها البعض، متأثرة بروح السلطوية والفردانية والعرقية المتنامية والتدخلات السياسية. العالم الأرثوذكسي اليوم في حالة تصدع يُرثى لها، من تضعضع وحدته وانقطاع الشركة بين بعض كنائسه. القضية مأساوية ولا أحد يبدو مهتما. مرت السنوات على قطع الشركة بين بطريركيتي أنطاكية وأورشليم ولا حل في الأفق. أما قطع الشركة بين كنيستي القسطنطينية وروسية، فكل الدلائل تشير إلى أنها ستطول، في جو تزايد البعد القائم بين اليونانيين والسلافتين، وتبشر بانشقاق فعلي. على الكنائس التي لا تنتمي إلى هذين الطرفين، وفي طليعتهم كنيستي أنطاكية ورومانيا، أن تتجنّدا بكل قواها للسعي لمعالجة الجرح النازف، وتمنع تفاقمه. يتطلب هذا الواقع الأليم أيضًا من منظمة سيند سموس، التي على الحركة أن تلعب فيها دورًا طليعيا، توعية الشباب الأرثوذكسي على خطورة الأوضاع وحثهم على العمل بشتى الأساليب المتاحة لمنع تفاقمها. الأرثوذكسيون الشرقيون يجب أن يطال هذا العمل التوحيدي الكنائس الأرثوكسية الشرقية، أي السريان والأقباط والأرمن والإثيوبيين وهنود الملابار، التي قطعت الشركة مع الكنيسة الأرثوذكسية بعيد المجمع الخلقيدوني المسكوني الرابع. وقد أظهرت الحوارات التي جرت ابتدأ من القرن العشرين وحدة الإيمان بين العائلتين، وأن خلافهم التاريخي كان لفظي، وأصدر بيانات مشتركة تؤكّد ذلك. وقد رفع الأمر إلى مجامع تلك الكنائس لتنظر بعودة الشركة الإفخارستية. عندها دبّت الخلافات مجددًا بشأن الحرمات المتبادلة التي أطلقت عبر التاريخ ضدّ زعماء وقديسي كل عائلة من قبل العائلة الثانية، وأمور تفصيلية أخرى رفعت إلى مستوى الإيمان المسلم مرة واحدة للقديسين فتوقف كل شيء بعد أن كان الحوار اللاهوتي قد أثار كثيرًا من الآمال. نعرف أن إنشقاق العائلتين جعل الشرق كله فريسة سهلة للفتح العربي، الذي سبب فيما سببه اعتناق الإسلام من قبل كثيرين وهجرة المسيحيين. لكن يبدو أننا لم نتعلم. إن وضع المسيحيين الحالي في المنطقة واستمرار الهجرة التي جعلت منهم أقلية عزيزة، لا يحرك عميقًا الكنائس ولا يشجعها على التغاضي عن التفاصيل، على أهميتها، والاعتراف بالأخوة الناتجة عن الإيمان الواحد بالمسيح. بدل ذلك، ورغم الاتفاق الذي أبرمه البطريرك أغناطيوس الرابع مع الكنيسة السريانية، نسمع عن ازدياد الاقتناص من قبل الكنائس الشرقية تجاه الأرثوذكسيين في بلاد الانتشار علمًا أن المسؤول عن كل اقتناص هو الذي يشجع، بتهاونه وعدم رعايته، أبناءه لتركه، وليس من تدعوهم رعايته إلى الإلتحاق به. فما هي جدوى، والحالة هكذا، للقاءات الكثيرة لبطاركة العائلتين والقبلات التي يتبادلونها على التلفزة لا بد من عمل دؤوب يشجع التقارب الحقيقي المحبّ، ويبرز نقاط الالتقاء ويقلل من نقاط الاختلاف، حتى تتجسد وحدة الإيمان المستعادة في تلاقي القلوب وقبول الآخر كمصدر غنى وقوة، وتتجاوز مشاعر الكراهية والحذر وآفات الجهل المتبادل التي تراكمت على مر العصور، والتي شرذمت المسيحية في الشرق وشوهت شهادتها لإعادة اللحمة بين مسيحيي هذا الشرق. المسيحيون الغربيون والعمل المسكوني خلافا لمواقف أقلية متشدّدة، متأثرة بالتعصب الظاهر في بعض أديرة جبل آثوس وفي أنحاء أخرى من العالم الأرثوكسي، التي ترفض كل علاقة "مسكونية"، لا يسعنا سوى القول إنّه محبتنا لا تخوّلنا ألا نعترف بأخوة لنا يعترفون بمسيحنا. هذا لا يعني اننا ندعو إلى نوع من التلفيقية أو إلى مسكونية عاطفية متسرعة. ولا يعني أبدًا الدعوة إلى التغاضي عن اختلافاتنا العقائدية، حيث وجدت، أو تغليب المحبة على الحقيقة. لكن كل ذلك لا يجعلنا ننسى صلاة يسوع الملحة أن يكون أحباؤه واحدًا "لكي يؤمن العالم به أمام عالم يرفض الله ويؤله الإنسان بدون الله، أيسعنا ألا نسمع مع المسيحيين الآخرين همسات الروح القدس ونصلي معا (خارج الأسرار)، عائدين معًا إلى جذورنا المشتركة، وموحّدين الجهود من أجل خدمة البشر كافة. أما قضية "المشاركة في القدسات" في بلادنا، فإنّها تُمارس على نطاق واسع بسبب الزيجات المختلطة والقربى وتقلّص الإنتماء الكنسي عند الكثيرين والشعور المتزايد بالأخوة المسيحية. فلا بدّ أن ينظر الرعاة إلى هذه القضية ويُصدروا تعليما رعائيا واضحًا بشأنها. القدامى في الحركة إن كل مجالات الخدمة هذه ليست جديدة وقد تتطرقت إليها وثيقة شؤون الأرض التي صدرت عن المؤتمر الحركي الثاني عشر السنة ۱۹۷۰ . وقد التزمت الحركة فعلاً بعضها، خاصة في مجال الخدمة الاجتماعية، لكن لم تستطع إقناع الذين تخطوا عمر الشباب من ضرورتها. وقد ابتعد معظمهم عن الالتزام الحركي اقتناعا منهم أنهم لا يعودوا بعمر يؤهلهم لتعليم الأولاد والشباب، ولم يقتنعوا بضرورة انخراطهم بمجالات الخدمة التي ذكرنا التي تسعى إلى ملاقاة الله المختبئ في أعماق قلق معاصرينا وفي توقهم إلى الحرية وتساؤلاتهم حول معنى وجودهم والحب والجمال والمجانية، أو حتى امتناعهم الكلي عن التساؤل والعيش في لامبالاة قاتلة. فعلينا حتّ أعضائنا إلى الاقتناع بمهمة اكتشاف الله وإظهاره في الحداثة التي غالبا تربكنا بواسطة حضور محب متواضع أخوي تجاه معاصرينا نسعى لإفهامهم أنّ الله وجها، وجه يسوع الذي ينادي الجميع بخفر علينا أن ننسحب ونزول وندعه يخاطب الإنسان من خلالنا، ليكتشف أنّه محبوب مهما بدا العالم أنّه تخلّى عن الله فإنّ الله لم يتخلّى عنه وينتظر شهودًا منا يعلنوا ذلك للعالم. في مداخلة لي في المؤتمر المخصص للحضور المجتمعي" السنة ۲۰۱۷، انتهيت إلى القول بعد استعراض الوثائق الحركية المتعلقة بالموضوع، أن الحضور المجتمعي يتخذ أشكالاً مختلفة تتطلب
  • استقامة الحياة
  • المحبة الأخوية وخاصة محبّة الأعداء ومن يخالفنا الرأي
  • تبني الفقراء ومعذبي الأرض والعمل على إصلاح أوضاعهم الاجتماعية
  • العمل في الكنيسة لتصبح عروسًا لا دنس فيها تقوم بدورها كضمير العالم
  • استعمال النشر والإعلام والثقافة والفنّ لإيصال الكلمة بلغة مفهومة
  • التزام العمل المسكوني
  • اتخاذ مواقف اللاعنفية
  • تشجيع السلام والوئام بين الناس والشعوب
  • محبة الكون وصون البيئة. يمكن لهذه المبادئ وميادين الخدمة المذكورة أن تكون خريطة طريق لعمل الحركتين الذين يريدون الإلتزام في مجالات التواصل. لا بد من انتفاضة حقيقية لكن الكلام على خريطة الطريق هذه والقيام بالدراسات بشأنها لا يكفيان، إذ يبقيان من باب التنظير والتنظير هين بينما المحك هو في التنفيذ الذي يتطلب وجود بشر ملتزمين حقًّا، ويفترض انتفاضة حقيقية على العادات المتبعة واقتناعا متجددا بالضرورات الملحة نقل الرسالة إلى الذين لا يعرفونها أو يتجاهلونها. لا يحتاج العالم إلى منظرين بل إلى من يُقنعه خاصة بالمثال الحي والتضحية الحقة أن المحبة تخلصه. لا يمكن تنصير عالم اليوم الذي ابتعد عن المسيحية، إلا بواسطة التمثل بالمسيحيين الأوائل الذين نصروا العالم الروماني المشابه كثيرًا لعالمنا، وبتبني أنماطا حياتية جديدة تتماشى مع حياتهم. هؤلاء دعيوا "القديسين"، وكانوا يسعون فعلاً إلى القداسة من خلال حياتهم في المسيح ومحبتهم لبعضهم البعض والآخرين. عالم اليوم بأمس الحاجة إلى قدّيسين. ذلك يتطلب توجيها جديدًا وتشديدًا على التكريس. التكريس التكريس له مفهوم واحد في العهد الجديد مع إختلاف أنماطه التطبيقية. يلخص معناه في كلام الرسول بولس: "إن عشنا فللرب نعيش، و إن متنا فللرب نموت، إن عشنا وإن متنا فللرب نحن" (رومية ١٤: ) . أم الغة التكريس المثلى فهي المحبة. إضافة إلى التكريس الكلي في الكهنوت والرهبنة التقليدية، لا بد من أشكال جديدة تتلائم مع متطلبات العصر. ليس لدينا كهنة بأعداد كافية، فالكاهن منشغل عادة برعيته وقلما يهتم بالذين لا يعاشرونها. ومسؤولية الراهب، البعيد عن العالم، أن يحمله دومًا في صلاته، إذ أن الصلاة تحفظ العالم من الانهيار. أما الشمامسة فأصبحت مهمتهم "زينة ليتورجية" انتظارًا لسيامتهم للرتبة "أعلى"، بينما كانت مهمتهم في الأصل مرادًا لها الخدمة. أما العمل الحركي التقليدي، المبني على التطوع الفردي الجزئي، المتقلّص وقته بسبب الأوضاع الاقتصادية المتأزمة التي تتطلب من شبابنا العمل للمساهمة في دفع أقساطهم المدرسية. رغم أهمية العمل التطوعي الجزئي وضرورة استمراره، لم يعد يكفي للتخطيط والقيام بحملات تبشيرية من النوع المطلوب التي يلزمها تكريسًا كليا وأنماطا التزامية جديدة. محاولات فاشلة قلت، في تقريري إلى المؤتمر الحركي الثالث عشر، السنة ۱۹۷۲ : "الثورة كل الثروة تاتي من الداخل. ولا مكانة للحركة إن كفت أن تكون مدرسة مكرسين"، وطالبت فيما طالبت به أن نكون قلة مكرّسة ولا عددًا نشاطيًّا، إذ هذا ما تطلبه منا الكنيسة وهذا ما ينتظره منّا العالم". ومن الأمور التي شدّدت عليها، إضافة إلى انخراط الحركيين في الكهنوت والرهبنة، إيجاد متفرغين تتحمل الحركة معيشتهم، من بينهم طلابًا يخصصوا سنة كاملة أو أكثر من حياتهم، قبل دخولهم في حياة العمل، لخدمة شعب الله. وفي تقريري إلى المؤتمر الواحد والثلاثين، أضفت أن الحركيين "زمرة من الناس يتكرّسون كليًّا للمسيح، وله وحده، أكانوا كهنة، رهبانا أو علمانيين"، وأنّ "الكنيسة ليست بحاجة إلى الحركة للقيام (فقط بما تقوم به من نشاطات ... بل إذا كان الحركيون يسعون حقا إلى القداسة". وكثيرون غيري دعوا مرارًا إلى إرجاع الشموسيّة إلى دورها الأصلي وإعادة رتبة الشماسات. وكذلك سكن منذ سنوات بعض الشباب الحركي في بيت واحد، مريدين اختبار الحياة الجماعية والمشاركة في الخيرات. لكنّ هذه الخبرة لم تطل. واقترح المطران جورج، في أوائل مدّة أسقفيته، إنشاء "قرية" يسكنها ملتزمون من المتزوجين والعذاب، يذهبون نهارًا إلى أعمالهم، ويختبرون بعد العودة نوعا من الحياة الجماعية. لكن لم يرى هذا المشروع النور، وظلّ، كما المساعي الأخرى، من بين الأمنيات التي لم تُحقق بسبب ضعفاتنا وخوفنا من التكريس الكلي. أيمكنا أن نحلم أن الجيل الحاضر سيلبي النداء في هذا الوقت الشرير الذي يتطلب مزيدًا من التكريس، ويبتكر أنماطاً جديدة له، إلى جانب الكهنوت والرهبنة التقليديين؟  أنماط جديدة تخصيص سنة أو أكثر للخدمة يترك سنويا عشرات الآلاف من الشباب بلدانهم ويتطوعوا للخدمة في مشاريع مختلفة إنسانية لمدة سنة أو أكثر في بلدان أخرى من العالم. وتفرض بعض الكنائس على شبابها السفر لمدة سنتين للتبشير أو القيام بخدمات إجتماعية في بلدان أخرى بعد أن يكونوا قد تدرّبوا على أساليب هذه الأعمال في وطنهم الأم. يُعتبر هذا السفر ضروريا لتوسيع الآفاق واكتساب خبرة إنسانية ناتجة عن التواصل مع ثقافات وأنماط عيش مختلفة، وبالنسبة إلى الكنائس فرصة لتحسس مشاكل العالم وضرورات التبشير فيه. لم نعرف هذا الاهتمام في بلادنا ولا في كنائسنا، ربما لأنّ أوضاعنا الاقتصادية لا تسمح بخسارة يد عاملة شابة أو لأسباب أخرى. لكن لا شيء يمنع الحركة من إطلاق مشاريع من هذا النوع، والطلب من نخبة من شبابها، أن يتطوعوا للخدمة بعد اكتمال دراستهم وقبل دخولهم ميدان العمل على ان تتكفّل الحركة بمعيشتهم كاملة خلال مدة خدمتهم. يبدو أنّ الوقت مناسبًا لذلك الآن لقلة إمكانيات العمل في بلادنا وبطالة الشباب المتزايدة. أما الأموال اللازمة لمثل هذا المشروع فلا بد أن يأتي من الحركيين أنفسهم كنوع من المشاركة في الخيرات. يتطلب هذا المشروع من الحركة تنظيم الخدمات المتاحة وتأمين المسكن للخادمين وتدريبهم. الشمامسة لا بد من إعادة الشموسيّة إلى ما كانت عليه، إذ لا يحتاج الكاهن أو المطران لمن يساعده لإقامة الخدم الليتورجية، بينما الكنيسة هي بأمس الحاجة إلى من يتصل بالناس ويخدمهم. يقول "عهد" الربّ"، الموضوع غالبًا في سورية في القسم الثاني من القرن الخامس، إنّ الشماس يعمل بالتبشير ... ويخدم المرضى والغرباء ويسعف الأرامل، ويكون أبا لليتامى، ويطوف كل بيوت المحتاجين... وبيوت الموعوظين، ويثبت المترددين ويعلم الجهلة ... ويحث البيعة من أجل مساعدة المحتاجين[xii]. إذا اعتبرنا أنّ المحتاجين في أيامنا هم، إضافة إلى الفقراء، كل الجائعين إلى المعنى والضالين، نجد في هذا التحديد وصفا لما يجب أن يفعله الشماس في الكنيسة. فتكون خدمته خدمة دائمة مدى الحياة، ليس مرحلية قبل رسمه كاهنًا. يمكنه أن يمارس مهنة لا تتضارب مع رسالته. يسكن مع عائلته إذا كان متزوّجًا أو في "بيت تكريس" إذا كان عاذبًا مع باقي الشمامسة العذاب، أو في المطرانية. الشماسات ليس المجال هنا البرهان أنّ شماسات وجدت في الكنيسة منذ أيام الرسل بريسكلة "معاونة الرسول في الرب يسوع" (رومية ١٦: ٣-٥)، وفيبة "شماس كنيسة كنخرية" والمسؤولة عنها (رومية (١٦ : ١-٢) وغيرهما) . يقول أوريجانس، معلقًا على "شماسة" كنخريّة: يدل هذا المقطع أنّه كان يوجد في الكنيسة نساء مرسومات لخدمة الكنيسة وأنّهنّ كنّ يقمن بخدمات مختلفة[xiii] . ويؤكد هذا الاستنتاج عدد من الآباء الذين شهدوا أيضًا على دور الشماسات في كنائسهم. نذكر من بينها مكرينا أخت باسيليوس الكبير، وميلانيا الرومانية في أورشليم، وتتياني الشهيدة وثيودوسيا، زوجة غريغوريوس النيصصي، وغرغونيا، أخت غريغوريوس اللاهوتي، وأوليمبيا، شريكة الذهبي الفم في الخدمة وغيرهن كثيرات. وقد باتت رتبة الشماسات قائمة في الشرق حتى القرن الحادي عشر، واختفى أثرها في كثير من الأمكنة في أوائل القرن الثالث عشر، ويقول البعض أنها استمرت في القسطنطينية حتى حين سقوطها. مرّت القرون إلى أن عاد الكلام على شموسية النساء في أواخر القرن التاسع عشر والقرن العشرين. أيننا اليوم من بشيرات العهد الجديد في عالم تزايدت فيه ضرورات التبشير وتنوّعه وقل عدد العملة؟ حرّر يسوع المرأة لتكون مع الرجل، أخيها في الإيمان، سفيرة له في العالم وشاهدة، وقد خلع عنها نهائيا لعنة الجدة الأولى بواسط حوّاء الجديدة، والدة الإله، وجعل من حاملات الطيب "رسولات الرسل. لأسباب مختلفة، تحفّظ "المسؤولون" في الكنيسة دوما على فكرة إحياء رتبة الشماسات، مع أن مجمع موسكو الذي انعقد أيام الثورة البلشفية، طالب بدراسة وافية لهذه الفكرة. لكنّ الثورة والاضطهاد منعت متابعة الأمر. وقد ظهرت مبادرات قيمة قامت بها الأميرة القديسة إليزابيت في روسيا بتأسيسها ديرًا من الراهبات الخادمات، والقديسة الراهبة الأم ماري في باريس التي خدمت المرزولين، والقديس نكتاريوس الذي سام إحدى راهبات الدير الذي أسسه إلى رتبة الشموسيّة. أما الكنيسة القبطية فكانت سباقة في هذا المجال وقبلت الشماسات على مدى الحياة بوضع الأيدي واستدعاء الروح القدس. وهن يقمن بمهام تعليمية وتبشيرية، ويسهرن على العمل الاجتماعي والتطور البيئي والتدريب المهني وخدمات جمة أخرى. بما أن رتبة الشماسات لم تُلغى في الكنيسة الأرثوذكسية، ولا توجد قوانين تمنع إحياءها، يمكن لأي أسقف أرثوذكسي يشعر بضرورة تجنيد كل الطاقات في أبرشيته من أجل الشهادة، أن يُعيد إحياء هذه الرتبة، ويحدد عمر المنتسبات إليها كان العمر المحدد قديما أربعين سنة، لكنّ الأيام تغيّرت ويسمح تحرّر المرأة من تخفيض هذا السن)، كما يحق له تطوير عمل الشمامسة الرجال، كما ذكرنا آنفًا. تعيش الشماسات العاذبات والأرامل في بيت مشترك، ويقمن، إلى الصلاة وقدر من حياة الشركة، بالخدمة الاجتماعية وأعمال الرحمة والعناية بالعجزة، والتنشئة المسيحية، والتبشير في البيوت حيث يصعب على الكاهن الدخول، والشهادة في الأوساط المدنية، ومناولة الشعب، إلخ. أما الشماسات المتزوجات فتقمن بخدمتهن خلال النهار وتعود إلى بيوتهن. الأديرة الخادمة في وسط المدينة إن نمط بيوت التكريس القائمة في وسط المدن يمكن أن ينطبق أيضا على الأديرة، رجالية كانت أو نسائية. تبقى هذه الأديرة على الصلاة وتأمل الكلمة وحياة الشركة التامة، وتستبدل العمل اليدوي بالتبشير حيثما تدعو الحاجة. يحتاج عالم اليوم إلى مثل هذا النوع من الواحات القريبة منه، حيث يمكنه أن ينزوي ويرجع إلى ربه. وهو بحاجة أيضًا أن يختبر مكرّسين ومكرّسات يخدمن على أرض الواقع ولا يخفن من تلطيخ أيديهم في وحل العالم وقذارته. المشاركة في الخيرات بما أن جماعة المسيحيين الأوائل تميزت بالمشاركة في الخيرات، إذ "كان لجمهور الذين آمنوا قلب واحد ونفس واحدة، ولم يكن أحد يقول إنّ شيئًا من أمواله له، بل كان عندهم كل شيء مشتركا ... ولم يكن فيهم أحد محتاجا لأن كل الذين كانوا أصحاب حقول أو بيوت كانوا يبيعونها ويأتون بأثمان المبيعات ويضعونها عند أرجل الرسل، فكان يوزّع على كل أحد كما يكون له احتياج" (أعمال الرسل ٤: ٣٢-٣٥) . لماذا ترى أصبح مقطع بهذا الوضوح متعلّق بالمسيحيين كافة يخص فقط قسما منهم؟ أهذا يعني أنّ الرهبان فقط مدعويين إلى التمثل بالمسيحيين الأوائل، مع أن النص يشير إلى جميع الذين آمنوا"؟ أما حان وقت التقليل من الحواجز "الاصطناعية" التي وضعها التاريخ بين الذين أرادهم ربهم أخوة، يعمل كل واحد منهم بموجب الموهبة المعطاة له من فوق بعضهم أساقفة وكهنة، بعضهم شمامسة وشماسات، بعضهم رهبانًا وراهبات وبعضهم علمانيين وعلمانيات، عاذبين أو متزوجين، لكنهم جميعًا أعضاء في عائلة واحدة مدعوين جميعًا إلى القداسة، وعليهم جميعا أن يتمثلوا بالمسيح كما فعل المسيحيون الأوائل. فما فعله هؤلاء بالنسبة إلى المشاركة في الخيرات ينطبق على جميع المؤمنين، وليس فقط على الرهبان. لم يفعل المسيحيون هكذا إلا نادرًا عبر التاريخ خارج الأديرة، تاركين إلى فئة بينهم الإلتزام الكلي بمتطلبات الإنجيل، مكتفين هم أي الأكثرية، بما اعتبروه كافيًا كي لا يسبب لهم انزعاجًا وضيقًا كبيرًا. استقالوا فاتحين المجال واسعًا أمام من حاربهم واضطهدهم بادعاء مثل هذه المشاركة. لكن، بما أنّ الشيوعيون أقصوا يسوع من نمط مشاركتهم، خفق مشروعهم ونتج عنه أفظع تعديات على الإنسان عرفها التاريخ في مخيمات الموت[xiv]، المقامة للملايين الذين لم يشاطروهم الرأي. نتج عن إغفال المتطلبات الإنجيلية، الثورية والصعبة، عن معظم المسحيين أن مجتمعاتهم فقدت الملح وأصبحت عادية تشبه غالبًا مجتمعات غير المؤمنين. فلم يعتادوا القول لمن يسألهم عن إيمانهم: "تعالى وانظر"، لأن حياتهم أفتقدت إلى إثبات إيمانهم في واقعهم المعاش. ولم يعودوا يدركوا أنّهم أحبّوا حتى الموت، وعليهم أن يحبّوا بدورهم، ويدشنوا نمط حياة جديد مبني على هذه المحبّة. أذهل الوثنيون هذا النمط الجديد من الحياة الذي تبنّاه الأوائل، وشعورهم العميق بالأخوة بين البشر الذي كان يُعبّر عنه. رأوا في المسيحيين أناسًا مثلهم، لكنّهم يحبون بعضهم بعضا، ويتشاركون في كل شيء، في وحدة معاشة على أرض الواقع، لا تعرف أي فرق بين أغنياء وفقراء، أسياد وعبيد، إذ كلهم يعتبرون أنّهم أخوة في إيمانهم بهذا ال "كريستوس" الذي يعبدون ويقولون إنّه مات موتًا شنيعا من أجلهم. فتعجب الوثنيون وقالوا: "أنظروا إليهم كم يحبون بعضهم بعضا، بينما هم كانوا يبغضون بعضهم بعضا"، على حد قول ترتليانوس. لم تأتي المسيحية بنظام مجتمعي أو كوني. جديد، بل أعطت العالم مثالاً حيًّا مجسدًا للمحبة الأخوية مكنته من المحبة والتعاضد والدفاع عن المستضعفين[xv] فلما نتخلى عنه؟ شكلوا المسيحيون الأوائل جماعات عائلية يعرف أعضاؤها بعضهم البعض، ويدعون بعضهم بأسمائهم. فتأخذ عبارة "الأخوة" في مثل هذه الجماعات معنى واقعيًا. لا مجال لمن يريد أن يبقى فيها سوى أن يلتزم بالوصايا ويحبّ عمليا. فكل قضايا الجماعة تخص الجميع. ويفرح الجميع باستقبل أخ غريب ويتنافسوا على استضافته. كل ذلك لأنهم أخذوا إنجيل المسيح على محمل الجد، فقلب يسوع المقومات التي كانت ترتكز عليها حياتهم، كما قلب موائد الباعة في الهيكل. ودفعهم إلى التغيير الجذري والعمل على تحويل نفوسهم ومن حولهم بالمحبة والشهادة المقنعة، بعيدا عن كل إكراه. لغى يسوع كل فاصل بين القول والفعل، بين الإيمان والأعمال. أين رعايانا من هذا الجو العائلي والأخوي، إذ تفقد أحيانًا أي طعم يميزها عن العالم التي تقول إنها ليست منه؟ أن يريد بعض أعضائها إستعادة المشاركة في الخيرات يعيد إلى الرعية كلها طعمًا فريدًا مميزا يسترعي انتباه الناس ويكشف لهم وجه الرب. لقد اختبرت بعض الجماعات المسيحية (غالبا) كاثوليكية) هذا النمط من العيش، فانتشرت عالميا بشكل عجيب وبشرت بجدارة تواضعها. لماذا لا نجرب؟ يمكن أن تتسم هذه التجربة بمظاهر عدة: يقرر عدد من الشباب (أو الشابات) العيش في مشاركة تامة في بيت واحد، يصرون على المحبة والأخوة والطاعة المتبادلة النابعة من تمثلهم بيسوع، يتقاسمون أفراحهم وأحزانهم ومداخيلهم، ويستعملون الفائض من أجل الخدمة التي يقوم بها كل واحد منهم، منفردًا أو جماعيا ليس بيتهم دير، بل نواة لاتباع نمط حياة المسيحيين الأوائل. يشع نوره على الرعية كلها، ومنها على العالم المحيط فلا منة لمن يعطي إذ لا يعطي مما له، بل مما أوكل عليه من قبل المعطي الوحيد الذي هو الله أما المتزوجون الذين يريدون المشاركة في الخيرات، فيقررون وضع نسبة متفق عليها من مدخولهم بتصرف جماعة تضم عائلات التزمت هذا النمط من العيش، ويجتمعون معها بانتظام ويتشاركون الخدمة في محيطهم، خاصة بالنسبة إلى قضايا العائلة والزواج وتربية الأولاد. الثورة، كل الثورة يفترض عيش الإنجيل ثورة حقيقية في الحياة، ثورة باستطاعتها تغيير العالم يعرف من يلتزم هذه الحياة أن يسوع في وسطهم، وأنّهم بدونه لا يستطيعون شيئًا. لذلك يصرون على الصلاة وتأمل الكتاب المقدس، ويعرفون أنّهم خطأة، لكنهم مسامحون بالتوبة والاشتراك في القداس الإلهي ومناولة جسد الرب ودمه الكريمين. من يلتزم الحياة المسيحية بكل متطلباتها يتعلم بالأخوة ومحبة الأخوة محبة الجميع، المحبة بلا حدود وتعلمه المحبة ألا يدين أحدًا ويغفر للناس تعدياتهم، ويكون على استعداد لغسل أرجلهم. لم يعد يتعلق بمال أو جاه أو ممتلكات، الله أعطاه وعليه أن يشارك ويعطي بدوره ويخدم. لم يخفي علينا الرب مواد فحص الدخول" إلى ملكوته: "كنت جائعا، عطشانا، غريبا، عريانا، مريضًا، محبوسًا" (متى ۲٥ : ). هذه هي خريطة الطريق الفضلي. ويسهل التقيد بها إذا اجتمع إثنان أو ثلاثة باسم الرب، لأنه يكون "في وسطهم" (متى ۱۸ (۲۰)، ويرافقهم في كل مساعيهم، ويقويهم في الصعوبات والعثرات. الخاتمة سوف يعتبر البعض أنّ هذا الكلام خيالي، أوتوبي، لا يمكن تطبيقه. ويعتبر آخرون أنّ مبادئ الحركة والأنماط التي عاشت عليها حتى الآن لا تسمح بمثل هذه المغامرات. يبدو لي أن المتمسكين بالأوضاع الراهنة يتجاهلون تغيّرات التاريخ وضرورات البشارة في أيامنا. لا خلاص للحركة إلا "بالجنون" الإنجيلي. علينا الوعي أننا غرباء على هذه الأرض. علينا التوق إلى وطننا الحقيقي في السماوات بواسطة المحبة والخدمة على هذه الأرض، ونتذوّق السماوات في ليتورجيتنا حيث تحلّ السماء على الأرض. ليس لنا ههنا مدينة باقية لكنا نطلب الآتية" (عبرانيين ۱۳ : ١٤). سقط في القرن العشرين أكبر عدد من الشهداء المسيحيين عبر التاريخ. أما الذين بقوا، ونحن من بينهم فهل شجعتهم رؤية الشهداء وقناعتهم أن يكونوا حقًا "ملح الأرض" و"نوره"، ويؤوسسوا، بصمت وتواضع ومحبّة، نمطا جديدًا من العيش، توجد في طياته قوة إلهية لتغيير العالم. وأن يعوا أن لا بدّ من شهادتهم أن تكون مبنية على صرامة التعاليم الإنجيلية، فيصبحوا شهودًا للراديكالية" الإنجيلية، ويأخذوا كل ما قاله يسوع على محمل الجد ويلتزموا به حرفيًا، خاصة في ما يتعلق بالفقر والعفة والاعتدال والاتكال الواثق عليه والطاعة والأخوة ورفض كل سلطة وتسلّط. وأيضاً يُظهروا للعالم نمطا حياتيا مغايرا كليا لمفاهيم العصر ودعوته المتزايدة إلى الاستهلاك، بما في ذلك استهلاك الإنسان المسيحي الذي يختار أن يعيش فقيرًا في خضم مجتمعات الاستهلاك يشهد للملكوت الذي ليس من هذا العالم، ويتصدى لأوثان هذا العصر التي تزيد خطورتها أوثان العالم الروماني. أضف إلى اختيار الفقر نمط حياة، ضرورة المشاركة في الخيرات وتزام الفقراء وجعلهم أسيادًا في الكنيسة. في ذلك تكمن دعوة يسوع  الدائمة. عندما أرسل يسوع تلاميذه شبه عراة، طالبًا منهم أن يبشروا ويشفوا المرضى، خطى طريقًا واضحًا على كنيسته أن تسلكه الفقر المختار يسمح بالمعجزات. إن دعت الكنيسة أبناءها إلى التزام هذا النمط الحياتي، تجعلهم يتمثلون بربهم الذي "وهو الغني أفتقر من أجلكم لكي تستغنوا أنتم بفقره (۲) كورنثوس ( ). ولن ينتج كل ذلك ثمرًا إن لم يعيش مسيحيو هذه الأيام، كما المسيحيين الأوائل، في فرح القيامة الذي كان النبراس الذي طالما حرّك المبشرين والمعترفين والشهداء. هذه كلها سمات الهوية النهضوية اليوم. 


[i] مثلاً المطران كاليستوس وير، الأرثوذكسية، كنيسة المجامع السبعة، منشورات DDB ، باريس، ١٩٦٤، ص ۱۹۰ (مترجم إلى العربية لدى تعاونية النور الأرثوذكسية).

[ii] راجع الحركة هي الحياة في المسيح"، ریمون رزق، ۲۰۱۷

[iii] الرسالة غلى ذيو غنيطوس. 

[iv] راجع الفصل الثاني من كتاب "المسيحيون الأوائل (۱۳۵-۲۳۰) في سلسلة محطات في التاريخ الكنسي"، الجزء الثاني، قيد الإعداد لدى تعاونية النور الأرثوذكسية. 

[v] لا أعرف اسمه والتاريخ الذي كتب فيه، إذ لدي فقط "ورقته" التي تضم خمس صفحات لتي تحمل تقييم للواقع الحركي واقتراحات جريئة للخروج من تقوقعه.

[vi] "حركة الشبيبة الأرثوذكسية منظمة شعبية تدعو سائر صفوف الطائفة الأرثوذكسية إلى نهضة دينية ثقافية واجتماعية"

[vii] القول لأحد المسؤولين الحركيين في ورقة غير موقعة قدمت في أحد المؤتمرات الحركية ونشرها بشتى الوسائل المتاحة

[viii] المؤتمر الثالث عشر المنعقد السنة 1972

[ix] القول لسيادة المطران جورج خضر

[x] راجع سيرته في أوليفييه كليمان الناسك في المدينة، ريمون رزق، أحد كتبه الحوار مع البطريرك أثينا غوراس"، تعاونية النور الأرثوذكسية للنشر والتوزيع. 

[xi] Anachroniques, Descée de Brouwer, Paris, 19.90, P.57-5

[xii] الكتاب الأول، في الشمامسة، ٣٣-٣٤.

[xiii] تفسير الرسالة إلى أهل رومية، ١٦: ١-٢

[xiv] راجع أرخبيل الغولاغ" لإلكسندر سولجنيتسين

[xv] لكتانسيوس، المؤسسات، ٦: ١٠.