التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مميزة

حول الوحدة الأنطاكية


ريمون رزق



لن أتوقف في هذا المقال، عند الأمور الكثيرة التي تؤثر على الوحدة، أمثال احترام الأنظمة، وإالتباين في الخدم والعادات والتنظيم المالي والتعاضد بين الأبرشيات، والاهتمام بالفقراء، إلخ.، بل سأكتفي بتسليط الضوء على ما يدعو إليه اللاهوت الأرثوذكسي والقوانين المقدّسة بشأن الوحدة في الكنيسة والمجمعية ومعنى السلطة وكيفية ممارستها. وأقترح في النهاية بعض السبل التي يمكنها تعزيز الوحدة، علنا نتذكر المتطلبات ونسعى إلى تطبيقها.

العلاقة بين المسيحيين في العهد الجديد يطلب منا الرب "حفظ" ما يقوله الأسقف إذا كان موافقًا لروح الإنجيل، والتقيد به لأنه يجب أن يكون كل شيء في الكنيسة بلياقة وترتيب" (١) كورنثوس ١٤: (٤٠) ، ولأنّ الأساقفة مقامون من الله، وعليهم أن يجتهدوا لحفظ "وحدانية الروح برباط السلام" (أفسس ٤ ، ( ) . لذلك يقول الرب لهم: "احترزوا لأنفسكم ولجميع الرعية التي أقامكم الروح القدس فيها أساقفة لترعوا كنيسة الله التي اقتناها بدمه" (أعمال ۲۰ : ۲۸). يسهر الأسقف على "رباط السلام"، وعلى موهبة الأخوة والمحبة، أي على ما يكون بالحقيقة، إضافة إلى الكأس الواحدة وحدة الكنيسة. ولكن لا يمكن أن تمارس موهبة الأسقف هذه آليًا، في وسط شركة أعضاء شعب الله الذي أعطي لهم أن يُمارسوا موهبة "الكهنوت الملوكي" (۱) بطرس ۲ (۹)، وأن يكونوا ملوكًا وكهنة لله" (الرؤيا ٥: (۱۰) . فموهبة الأساقفة "الوظائفية" تذكر العباد أن لهم مسحة من القدّوس ويعلمون كل شيء" (۱) يوحنا (۲: (۲۰) أكثر من أن تعلمهم ذلك. فعلى الأساقفة إذا أن ينبّهوا المؤمنين عما حصلوا عليه بالمعمودية، ويميزوا الأرواح بدون أن ينسوا أبدًا توصية بولس الرسول: "لا تُطفئوا الروح ولا تحتقروا الأنبياء" ( 1) تسالونيكي ٥: ١٩-٢٠).

لا وجود لمسيحي على حدة بل مع الأخوة ويذهب يوحنا الإنجيلي إلى القول: "إنّ أحب بعضنا بعضا فالله يثبت فينا، ومحبته تكتمل فينا. ونعرف أننا نثبت فيه وهو فينا إذ يُعطينا من روحه" ( ١ يوحنا ٤ : ١٢ - ١٣).

لذلك قال المطران كليستوس وير: "في الكنيسة نقول لبعضنا البعض: "أنا أحتاج إليك لأكون"... لذلك أبناء الكنيسة لا يستعملون "الأنا" بل ال"نحن"، كما فعل الرسل في مجمع أورشليم إذ قالوا : قد رأى الروح القدس ونحن ..." (أعمال ١٥: (۲۸)". يتحقق الإنسان في المنظور المسيحي في تواصله مع أخيه الإنسان. يكتمل بقريبه، إذ بواسطته يطل عليه وجه المسيح. لا نقول في القداس الإلهي، الذي يكون الكنيسة "يا رب ارحمني" بل "ارحمنا". وأثناء صلاة الإستحالة، التي هي قمة القداس وعلامة عطف الله الآب القصوى علينا، من المفروض أن يسمع كل الحاضرين صلاة الكاهن الموجهة إلى الإله الآب، قائلاً: "نقدم لك هذه العبادة الناطقة وغير الدموية ونطلب ونتضرع ونسأل، فأرسل روحك القدوس علينا وعلى هذه القرابين... واصنع أما هذا الخبز فجسد مسيحك المكرّم ... وما في هذه الكأس دم مسيحك المكرم...". عندها لا بد أن يؤكّد الشعب الحاضر المشترك في تقديم ذبيحة التسبيح" هذه الصلاة بأمينه المدوّي. يمثل هذا السرّ ، حيث يتناول المؤمنون من يد الأسقف، أو الكاهن الذي ينوب عنه، جسد الرب ودمه الكريمين، سر وحدة الكنيسة، إذ لا وحدة بينهم أوثق من حضور السيد في قلب كل واحد منهم، موحدًا إياهم ومانحًا لهم حرية أبناء الله وجاعلاً "طرقهم قويمة".

يجب أن يُترجم هذا المفهوم الإفخارستي للكنيسة ولوحدة شعب الله وحرية أعضائه على أرض الواقع، في الرعية و في الأبرشية وعلى صعيد الكرسي الأنطاكي. لكن تصطدم ترجمته بمفاهيم دنيوية تسللت إلى الكنيسة تريد أن تطبق "الديموقراتية" الدنيوية فيها. نسمع في أوساطنا من جهة كلامًا على "سلطة" الكاهن الأسقف أو البطريرك، ومن جهة أخرى على "حقوق" العلمانيين، ولا نعي دومًا أنّ هذا الواقع يخالف كليا مفهومنا اللاهوتي. لا يخضع كوننا أبناء الله بالتبني" لأي نظام دنيوي، كما لا تخضع علاقات أبناء الله بما فيهم الأسقف مع بعضهم البعض إلا لما أتى به سيدهم الساكن في قلوبهم من محبّة وأخوة وانفتاح، وأنّ السلطة والطاعة بالنسبة إليهم لهما طعم خاص.


أكد الفيلسوف الروسي ألكسي خومياكوف، أنّ "الكنيسة ليست سلطة كما أنّ الله والمسيح ليسا سلطة، لأنّ السلطة بالنسبة إلينا هي شيء خارجي، فالأحرى بنا أن نستبدلها بالحقيقة". فالكنيسة ليست برأيه، مزيجًا من السلطة والحرية ذات حدود معينة، كما يوجد في العالم، وليست الحرية حرية مطلقة تحدّها السلطة ولا السلطة محدودة بالحرية. يوضح بولس الرسول هويّة الكنيسة باعتبار نفسه "عبد يسوع المسيح"، لكنه يقول إنّ هذا العبد لن يكف على اعتبار الحرية أثمن ما لديه.

مع ذلك يقول: "اثبتوا في الحرية التي حرّرنا المسيح بها، ولا ترتبكوا أيضًا بنير عبودية" (غلاطية ٥: ١)، وأيضاً: "دعيتم للحرية ... غير أنّه لا تُصيروا الحرية فرصة للجسد بل بالمحبة اخدموا بعضكم بعضا" (غلاطية ٥: ١٣)، وأيضا: "انظروا لئلا يصير سلطانكم معثرة للضعفاء" (١ كورنثوس ٨: ٩). كل سلطة في الكنيسة هي لخدمة المحبة وتصبو إلى الوحدة، وإلا تسقط وتزول بصيرورتها سلطوية. إنها سلطة من دون تسلّط أو أي نوع من الهيمنة أو أي ضغط مادي أو معنوي. تقابل الطاعة "المسيحية" هذا النوع من السلطة، وهي أساسًا طاعة للمسيح تنتقل تجاه الأسقف الأول بين أخوة متساوين، وتجاه هؤلاء الأخوة، بقدر ما ينقلون حقيقة المسيح ومحبته. إنّها لا تفهم إلا في إطار منطق الجماعة الواحدة والشركة بين أعضائها. لا سلطة ولا طاعة إذا إلا في مناخ من الحرية والحوار الدائم والإصغاء المتبادل والانتباه المحبّ بين أعضاء شعب الله ومع أولهم الأسقف. يقول آباؤنا أن المضمون الحقيقي لكل سلطة في الكنيسة وهدفها الأخير ليس سوى القداسة، قداسة من يمارس السلطة وقداسة من تُمارس عليه. وكلما خفت القداسة مالت السلطة إلى التسلط، وكلما ازدادت القداسة تجلت السلطة في المحبة والخدمة واحترام حرية أبناء الله.

الروح القدس هو واهب هذه الحرية وهو الذي يحققها. اللاهوت الأرثوذكسي في أعماقه لاهوت الروح القدس الذي يدعونا إلى معرفة الله وليس فقط معلومات عنه، ويدفعنا إلى الاتحاد به والعيش معه وفيه بالكلية وليس بواسطة حقيقة ما "مطلقة" أو "موضوعية".

كان هذا الحنين إلى الله محرّك الجماعات المسيحية الأولى ويبدو أنه ضعف في جماعاتنا التي ترضى أحيانًا بالتحوّل الذي جعل من الكنيسة مؤسسة تسودها السياسات والحسابات والأنظمة والرتب والأوليات ونوع من البوروقراتية اللاشخصانية التي تحدّ العباد ضمن أطر بشرية مصطنعة، وتجردهم من فرح أبناء الله وحريتهم. اشتكى الأب ألكسندر شممان من هذا الواقع واستعمال الروح القدس ليس كمطلق للحياة والحرية بل كنوع من الضمانة. يقول: "ضمانة للسلطة في حال اعتبارها مبدأ مكونا للكنيسة، وضمانة للحرية الفردية في حال مواجهتها للسلطة"، ويضيف: "لا عجب والوضع هكذا إن كنا نسينا الروح القدس ليس فقط كينبوع للحرية التي هي الكنيسة، بل أيضًا كمضمونها ولم نعد نعتبر أنه هو المانح لهبة الحرية وكمالها، أو بالأحرى هو الحرية بذاتها".

يتحقق المسيحي في كنيسة الروح القدس بالشركة مع الآخرين في رعيته، لكن هذه الرعية لا تحدّه وينمو في معية الآخرين في أبرشيته، لكن هذه الأبرشية لا تحده. يفتخر بالانتماء إلى كنيسة أنطاكية حيث دعي التلاميذ مسيحيين أولا، لكن هذه البطريركية لا تحده، إذ يتوق دومًا إلى الأرثوذكسية الشاملة التي تجذره أنطاكية فيها، ويمتدّ بها ومنها إلى العالم بأسره. هذه هي الكنيسة، "جماعة المدعوّين"، محبّي يسوع الناصتين إلى روحه القدوس، "المشتركين في الخبز الواحد" (١ كورنثوس ١٠: ١٧)، والصائرين "جسد المسيح"، الكنيسة الواحدة المقدّسة الرسولية، الحاصلة على "نعمة ربنا يسوع المسيح ومحبّة الآب وشركة الروح القدس". بهذا المعنى، لا يمكن للكنيسة أن تكون إلا في جدلية وحدة "الواحد" و"المتعدّد" على صورة الثالوث الأقدس. فهي في الوقت نفسه محلية وعالمية، وإفخارستيتها تقام في مكان معين لكن باسم الإنسانية جمعاء. هذا هو معنى "الجامعية" الحقيقي. كل أسقف هو أيضا متجذر محليًّا في أبرشيته لكنه في الوقت ذاته متواصل مع إخوته الأساقفة الآخرين ويمارس تواصله معهم في "المجمع" الذي هو شرط لا غنى عنه لجامعية الكنيسة.



المجمعية في الكنيسة المحلية: الرعية والأبرشية ومكانة الأسقف اجتمعت منذ القدم كل الجماعات المسيحية حول "بروتوس"، "إبيسكوبوس" (المراقب) يحيط به "الشيوخ والشمامسة والشعب. كانت تُسمى هذه الجماعات "الأخوية" بسبب المساواة السائدة بين أعضائها وحميّة محبّتهم لبعضهم البعض وعيشهم كعائلة واحدة، يُسخّر كلّ واحد منهم موهبته الخاصة "للمنفعة العامة". طبع هذا الشعور العميق بالأخوة كنيسة المسيحيين الأوائل وكان استمرارًا للجو الذي ساد الجماعات الرسولية، لكنه بدأ يتصدّع في أواخر القرن الثالث، إذ أخذت تفقد الكنيسة جوها العائلي عندما أصبحت كنيسة الأمبراطورية.

يعطي كتاب "التنظيمات أو القوانين الرسولية" صورة مفصلة عن حالة النظام الكنسي قبيل السنة ٣٨٠. ويمثل الحالة التي وصلت إليها الكنيسة في أواخر القرن الرابع، والتغيّرات التي حصلت في المقام الأسقفي باتجاه أكثر سلطة. وكان الأساقفة بعد قسطنطين الكبير يجلسون على مأدبة الأباطرة ويتشبهون بهم بالملبس وبعض التصرف. لم يعد الأسقف الأخ الأول المترأس الإفخارستيا والخدم الأخرى الذي تصفه النصوص القانونية التي كتبت في القرنين الثاني والثالث. سوف نقارن للدلالة على هذا التحوّل، نصين، أحدهما من الديداسكاليا التي وضعت في أوائل القرن الثالث والآخر من التنظيمات الرسولية، وكلاهما متعلقين بموقف الأسقف تجاه الفقراء.

يقول نص الديداسكاليا:

"إذا حضر فقير أو فقيرة وكانا من جماعة أخرى، وخاصة إن كانا متقدمين بالعمر ولم يكن يوجد لهما مكان للجلوس، أعطهما أيها الأسقف بطيبة خاطر مكانك ليجلسوا فيه، حتى لو اضطريت أن تجلس على الأرض".

أما نص التنظيمات الرسولية فهو كذلك:

"إذا حضر فقير، غريبًا كان أم من أهل البلد، شيخًا أو شابًا، ولم يكن له مكان للجلوس، فليعمل الشماس ما في وسعه على أن يجد له مكانًا".

فخلال أقل من نصف قرن تقريبًا، نرى الأسقف الذي كان يهتم شخصيا بالفقير ويعطيه مكان جلوسه، يُسند هذه المسؤولية إلى الشماس. لم يعد الأخ الأول بين أخوة متساوين، بل أصبح سيّدًا لا يتنازل" عن كرسيه لإعانة الفقير. عندها جرت العادة أن ندعو الأسقف "سيدا"، رغم طلب المسيح نفسه الملحاح ألا ندعو أحدًا على الأرض سيدًا أو أبًا لأنّ "سيدكم واحد هو المسيح، وأنتم جميعًا إخوة.... ولا تدعوا لكم أبا على الارض لأنّ أباكم واحد الذي في السماوات" (متی ۲۳ : ۸-۹).

تبين نصوص قانونية أخرى، خاصة النصوص الاقليمنسية، كيف أنقص الأساقفة والكهنة تدريجيًا من دور القراء والمعلمين وباقي الخدمات الكنسية، وقاموا محلهم بمهمات حفظ الكتب والتعليم والقراءة والترتيل التي كانت منوطة بهم، فأضحوا وحدهم من يعلمون. فأصبح الأسقف يحصر في نفسه كل المواهب، وأخذ يكلف الكهنة أو الشمامسة ببعضها نيابة عنه. نلاحظ أنّه لم تعد الخدمة في الكنيسة، في هذا الوضع الجديد، نتيجة لموهبة إلهية يلاحظها الأسقف والجماعة، بل تلبية لتوكيل صادر عن الأسقف وحده. من هنا نشأت فئتين في الكنيسة، فئة الإكليروس من جهة، وباقي أعضاء الشعب المؤمن من جهة أخرى.

مع ذلك حرصت الكنيسة على ترسيخ وحدة الرعية، فطلبت من المؤمنين "ألا يفعلوا شيئًا بدون الأسقف"، وأن يؤمنوا له من الطعام والكسوة على ما يتفق مع الضرورة واللياقة. وأكدت كهنوتهم الملوكي مسمية إياهم "كنيسة الله المختارة" وداعية إياهم "كنيسة الله المقدّسة الكهنوتية" المكتوبة في السماء". وأمرتهم بالأخص في يوم السبت وفي يوم عيد القيامة، أي يوم الأحد، ان يُسرعوا إلى الاجتماع ليرفعوا التمجيد إلى الله. وبقي سائدًا المفهوم الإنجيلي القاضي بأنّ الأول هو الخادم بموجب قول الرب: "من أراد أن يكون فيكم أوّلاً فليكن لكم عبدًا" (متى ۲۰: ۲۷). فعلى الأسقف أن يحب العلمانيين كأبنائه ويحتضنهم بمحبته ... ويستجب إلى جميع احتياجاتهم.

وتصف التنظيمات الرسولية بإسهاب صفات الأسقف، فتقول إنّ عليه "ألا يكون قاسيًا مُعجبًا بنفسه ولا متكبرا ولا محابيًا ... ولا محبا للإكرام ولا سريع الغضب". وتطلب من الأساقفة أن يكونوا على رأي واحد، وأن ينشدوا السلام في ما بينهم، مواسين محبين للإخوة ... ولا يكن بينهم انشقاق، ويعلموا الشعب أن يكون على رأي واحد معهم.

وعى بعض أساقفة القرن الرابع الكبار الشرخ الذي بدأ يظهر في الجماعات المسيحية، فدعوا إلى العودة إلى العيش الأخوي، ليس فقط ضمن الرهبنات التي بدأت تنتشر، بل في مختلف الرعايا. يعبّر القديس أوغسطين عن هذا الموقف، فيقول متوجها إلى العلمانيين: "يخيفني ما أمثله تجاهكم، ولكن يريحني ما أشترك فيه معكم. بالنسبة إليكم، أنا الأسقف. أما معكم فأنا مجرد مسيحي. يشير لقب الأسقف إلى مسؤولية يتحملها المرء. أما اسم المسيحي، فهو اسم النعمة الممنوحة إلينا جميعًا. نحن الأساقفة خدامكم ورفاقكم في آن... نحن رؤسائكم ومرؤوسون لكم في آن. نسير في طليعتكم فقط إن كنا نسهم في خيركم. إذا لم يتصرّف الأسقف هكذا، فلن يبقى أسقفًا بالحقيقة، بل يحمل اسماً على غير مسمى".

وقد كتب القديس باسيليوس الكبير إلى بعض الأساقفة واصفاً حالة فقدان المحبة وانزواء المسيحيين في كنائس منفصلة يرتاب فيها كل إنسان من قريبه، قائلاً: "أحرى بنا أن نزول، نحن الأساقفة، وتعيش الكنائس في وئام متبادل على أن نعاين كيف تلحق صراعاتنا السخيفة والحقيرة الأذية بشعب الله". لا يمكننا وصف الأمور أفضل مما فعل باسيليوس، علنا نهتدي بكلامه.


وكتب المطران دانيال تشيبوتيا (الآن بطريرك رومانيا)، مؤكداً ضرورة المشاركة الحقيقية في الكنيسة، قائلاً: "يجب أن تكون البنى الكنسية بنى مشاركة وخدمة وحسب، إذ ليس هدفها الرئيس إقامة نظام بالمعنى القانوني للكلمة، أو حتى وحدة من النوع المؤسساتي، بل خلق انسجام في المحبّة الأخوية، وتالياً وحدة شراكية مبنية على بذل متبادل للذات، على غرار البذل المتبادل بين أقانيم الثالوث". ويتابع كلامه متوقفاً عند مفهوم الطاعة المسيحي، فيقول: "علينا السهر على أن نبقى مطيعين شرط إعادة المعنى الكنسي للطاعة، إذ يبدو أنه يوجد شطط في الفهم الشائع للطاعة. ليس هدف الطاعة في الكنيسة أبدًا الحفاظ على النظام بواسطة القضاء على المحبّة الأخوية أو على شخصية "الصغار". ولا الطاعة رفع الأمر وإذلال المطيع بل أن تصبح حياة الطرفين بذل للذات من خلال خدمة متبادلة محررة، ومسؤولية مشتركة من أجل بناء الكنيسة التي تتألق فيها حياة المسيح".

وقد قال أحد آباء الصحراء بهذا الصدد: "طاعة مقابل طاعة: فمن يطيع الله يطيعه الله"، فكم بالأحرى الأول بين متساوين. على من يطلب الطاعة لنفسه أن يكون قدوة في الطاعة يُحتذى به، إذ نبّه الأنبا بيمن من يترأس أن يكون قدوة ولا مشرّعاً واضعاً للقوانين.

نعرف أنّ الإفخارستيا هي التي جعلت المسيحيين الأوائل يتعلقون بتلك السمات ويحفظونها فيها يجتمع الشعب المؤمن حول أسقفه وشيوخه"، كما كان يفعل الأولون ويعبّرون بذلك عن مجمعية الكنيسة. بدون وجود شعب لا تقام الإفخارستيا، إذ عليهم أن يؤكدوا، كما سبق وأشرنا، كلام المتقدم بأمينهم العلني. في القداس الإلهي "نحب بعضنا بعضاً لنعترف بسيادة الله الثالوث الذي يصالحنا معه ومع بعضنا البعض، ويدعونا إلى صلب أنانيتنا الشخصية والجماعية من أجل استقبال القائم من بين الأموات ويجعلنا أخوة فيه ويدعونا إلى غسل أرجل الناس كما فعل مع تلاميذه. وأخيراً يقول البطريرك دانيال الروماني، يجعلنا نختبر القداسة في كنيسة الخطأة.

لكن ويا للأسف تغفل ممارساتنا الليتورجية في ما آلت إليه في الواقع الراهن كثيرًا مما يدعونا إلى التذكّر بما نحن مدعوون إليه، أي أن نكون إخوة متحابين ومشاركين في الخدمة وليس مستمعين إليها وحسب. أغفلت هكذا كلياً قبلة السلام التي طالما كانت تذكيراً لوحدتنا في المحبة وتعبيراً عنها. وكذلك في كثير من الكنائس لا تزال تتلى ما يسمى بالصلوات السرية بصوت لا يسمعه الشعب، ما يمنع هذا الشعب من تأكيد تحقيق السرّ بأمينه. ويبدو أنّ معظم الأساقفة والكهنة لا يعون أن الجماعة تبادلهم البركة عندما تقول "ولروحك أيضًا" بعد أن تنال بركتهم، فنراهم لا يحنون الرأس ولا يأبهون لبركة الجماعة "الكهنوتية". وأخيراً وليس آخراً، لا نفهم عامة المدى الذي تعطينا إياه الإفخارستيا، بفتحها أذهاننا وقلوبنا إلى باقي الرعايا والأبرشيات والكنائس المحلية وسائر البشر والعالم بأسره، لأن من يحمل في كيانه ملء الرب يسوع المسيح لا يمكنه أن ينغلق على ذاته، بل يجد نفسه موحدًا مع جميع الذين يشاركونه هذا الملء أو يصبون إليه، أو حتّى يجهلونه.

انتشر القول رغم ذلك في أوساطنا إنّ كل أبرشية هي "مستقلة"، وأسقفها وحده مسؤول عن مصيرها ولا يهتم إلا بحاجاتها. ويستند البعض على تصريح لقبريانوس يقول فيه "أنّ الأسقف لا مرجع له إلا الله" لينشدوا أنّ الأسقف لا يُحاسب، علمًا أنّ هذا القول ينسف مبدأ المجمعية والشورى الذي قامت عليه الكنيسة منذ البدء. فالتقليد الكنسي واضح في أنه على الأسقف السهر ليس فقط على وحدة أبرشيّته الداخلية، بل أيضًا على وحدتها الخارجية لأنه قد التزم خطيًّا عند سيامته بالحفاظ على القوانين المقدسة والبقاء في شركة إيمانية مع مختلف أبرشيات البطريركية التي ينتمي إليها وباقي الكنائس الأرثوذكسية. لكن يقول قبريانوس القرطاجي في مكان آخر إن "كل أسقف يرعى شعبه كما يشاء ... شرط أن يحافظ على رباط السلام، ويبقى سر الكنيسة الجامعة واحدًا غير متصدع".

يعترف الأب نقولا أفاناسييف بهذا الواقع، قائلاً: "تاريخ الكنيسة الممتد على ألفي سنة قد عدل كثيرًا الحياة الكنسية بابتكاره أشكالاً مختلفة جذرياً عن الأشكال الأولى، وبإدخاله مفاهيم لم تعرفها العقيدة الأولى.

يصعب علينا الآن أن نفهم صفحات تاريخنا الأولى وعلينا بذل الجهد لنقتلع أشكال الحياة التي تعودنا عليها إلى حدّ تبدو لنا أشكال أخرى مستحيلة".

المجمعية في البطريركية والكنيسة المستقلة 
من يستطلع ممارسات الجماعات المسيحية قبل المجمع المسكوني الأول السنة ٣٢٥، يجد أن تلك الجماعات، مع استقلالها الإداري الداخلي، كانت على صلة دائمة مع بعضها البعض. وأخذت ممارسة الشورى، في أواخر القرن الثاني، طابع الاجتماع بين أساقفة المناطق أو عبر المناطق، للبحث في الأمور الطارئة الخطيرة والحكم على الهرطقات ومعالجة الانشقاقات والخلافات. مع الوقت، أصبح انعقاد هذه المجامع لا يقتصر على البحث في الأمور الخطيرة، بل أخذت طابعاً دورياً للتشاور بين الأساقفة في أمور كنائسهم. يبدو أنّ إفريقيا كانت أوّل منطقة انعقد فيها مجامع بشكل شبه دوري منتظم، وكان ذلك على الأقل منذ ٢٢٠ أو ٢٣٠. وترسخت العادة في منتصف القرن الثالث في أيام قبريانوس القرطاجي حيث كان يجتمع أساقفة إفريقيا مرتين في السنة، في الربيع والخريف. وكان يصدر عادة عن هذه المجامع رسائل عامة تشرح ما جرى فيها.

وامتدت هذه العادة إلى سائر المناطق حيث اعتاد الأساقفة أن يعقدوا مجامع على غرار المجمع الرسولي في أورشليم (أعمال ١٥: ٢٩) لحل مشاكلهم المشتركة وتوطيد علاقاتهم. وكانت تلتئم المجامع أيضاً وبصورة خاصة لدى انتخاب أو سيامة أساقفة جدد حيث يجتمع كل أساقفة المنطقة، كما ينص القانون الرابع الصادر عن المجمع المسكوني الأول. ووصل عدد هذه المجامع المكانية، شرقاً وغرباً إلى نحو الأربعين وذلك في الفترة قبل عهد قسطنطين الكبير. كانت معظم هذه المجامع المكانية بمثابة اجتماعات ما نسميه اليوم "المجمع المقدس"، ربما موسع في بعض الأحيان والأمكنة. وقد حددت القوانين الرسولية"، القوانين النظامية التي كانت سارية المفعول قبل مجمع نيقية، والتي ثبتتها المجامع المسكونية اللاحقة.
______________

  1. في المحاضرة التي ألقاها في اجتماع اللاهوتيين الأرثوذكسيين الأخير في رومانيا.
  2. أقول من المفروض" لأنه لا تزال تتلى هذه الصلاة في بعض الأبرشيات بصوت منخفض لا يسمعها الناس، وربما لا يعرف كثيرون ما يجري، لأنك تراهم يجلسون أثناء تلاوتها. يقول باسيليوس الكبير إن هذا الأمين كان يطن في كنيسته كصوت الرعد.
  3. كما يقول الكاهن في صلاة يتلوها في آخر القداس.
  4. عاش في القرن التاسع عشر وكان من أطلق التيار السلافوفيلي.
  5. الكنيسة ورسالتها في العالم، منشورات مطبعة معهد القديس فلاديمير اللاهوتي كرسنود، ١٩٧٩، ص ١٨٧.
  6. طلبة في قداس الذهبي الفم مأخوذة من بولس الرسول (٢) كورنثوس ١٣ (١٤).
  7. مجموعة من الأنظمة المسيحية وضعت غالباً من قِبل أسقف في شمال سورية، وقد استعان هذا المؤلف المجهول ببعض فصول
  8. الديداكية (أوائل القرن الثاني) والتقليد الرسولي لإيبوليطوس الروماني (نحو ٢١٥) والديداسكاليا أو تعليم الرسل الإثني عشر من أوائل القرن الثالث.
  9. الديداكية، التقليد الرسولي وخاصة الديداسكاليا.
  10. الفصل الثاني عشر.
  11. الفصل الثاني، ٥٨: ٦.
  12. نصوص منحولة وضعت غالبًا في القسم الأول من القرن الثالث، وقد ضمت نصوصا ذات نمط مسيحي يهودي من أواخر القرن الثاني.
  13. القانون ٢: ٢٧ من التنظيمات الرسولية.
  14. القانون ٢: ٢٥، ١، المرجع عينه.
  15. القانون ٢: ٢٦، ١، المرجع عينه.
  16. القانون ٢: ٥٩، ٢، المرجع عينه.
  17. القانون ٢: ٢٠، ٢، المرجع عينه.
  18. القانون ٢: ٢١، المرجع عينه.
  19. القانون ٢: ٤٤، ٢، المرجع عينه.
  20. العظة ٣٢.
  21. الرسالة ١٩١.
  22. الرسالة ٢٠٤، ٧.
  23. مقال "في الكنيسة سن الشركة والحرية في عالم موسوم بالخطيئة والمحدودية"، نشرة سوب، رقم ١٠٣، ١٩٨٥، ص ١٨.
  24. المرجع عينه، ص ٢١.
  25. من أقوال الآباء الشيوخ.
  26. مذكور في مقال تشيبوتيا المرجع عينه، ص ٢١.
  27. مقال "في مساهمة المعمدين في تحضير المجمع العام"، نشرة سوب، رقم ١٢٧، ١٩٨٨، ص ١.
  28. بمعنى السر وليس بمعنى المخفي والصامت.
  29. الرسالة ٥٥، ٢١، ٢.
  30. "كنيسة الروح القدس"، باريس، ١٩٧٥، ص ٣٤٧. الكتاب موجود في ترجمة عربية لدى تعاونية النور الأرثوذكسية للنشر والتوزيع.
  31. هي مجموعة نصوص لا يُعرف واضعها أُدخلت في الفصل الثامن من التنظيمات الرسولية.