الأب الياس مرقص في النور الذي أحبّ

 ريمون رزق

النور – العدد الثالث 2011


ليس من السهل الكلام عن الأب إلياس، لأنّه كان أبًا حقيقيًّا في عالم، ويا للأسف أحيانًا في الكنيسة أيضًا، تزيّف فيهما كثيرًا معنى الأبوّة. أمّا الأب إلياس، فكان أبًا في كلّ ما للكلمة من معنى: محبًّا، متفانيًا، ساهرًا، خفيف الظلّ، محترمًا حرّيّة من اختاروه أبًا، موجّهًا إيّاهم ليس إليه، بل إلى وجه السيّد الحبيب الذي كان يتوق قلبه إليه على الدوام.

عرفتُ الأب إلياس في أواخر سنة 1956، عندما أتى مع بعض الإخوة إلى دير الحرف. شكّل دير القدّيس جاورجيوس الحرف، بالنسبة إلى جيلنا، منارةً ومثالًا حيًّا ودعوةً ملحاحة إلى الالتزام الكلّيّ بسبيل الربّ وأخوّته. رافقنا أولى خطوات الأخويّة التي قامت فيه. كم من لقاءات واجتماعات وسهرات روحيّة أقمنا في هذا المكان! وكان الأب إلياس محور غالبيّتها. رغم أعبائه الكبيرة في الحياة الرهبانيّة، كان دائمًا مستعدًّا للعطاء بدون حساب في خدمة الشباب. كان دومًا حاضرًا في مؤتمراتنا وحلقات التدريب، حيث كان يؤدّي دورًا بارزًا. وكان، مع قلّة من مؤسّسي الحركة، ممّن فتحوا لنا أبواب الكنيسة، وجعلونا ندخل في علاقة عشق مع ربّها. وما زلت أراه يستمع حتّى ساعة متأخّرة من الليل إلى اعترافات الشباب المنتظرين دورهم في طابور طويل. هذا خلال المؤتمرات. أمّا خارجها، فكان يجول المدى الأنطاكيّ، بدون تعب ولا ملل، لمتابعة إرشاده الروحيّ وملاقاة الشباب حيث يعيشون. كان الأب إلياس مثالًا للأب الروحيّ الحقيقيّ، يسلّط نور الكلمة الإلهيّة، ويفتح الأبواب لهبوب الروح، تاركًا للمعترف أن يتّخذ هو القرار، في حرّيّته كابنٍ لله.

أرشدنا الأب إلياس، أيضًا، بواسطة كتاباته العديدة، التي كان بعضها يشمل الدراسات التي كان يعطينا إيّاها في الحلقات التدريبيّة، وكلّها مداخل إلى ينابيع الروحانيّة الأرثوذكسيّة، من مدخل إلى الليتورجيا، فالكتاب المقدّس، فالحياة الروحيّة، وغيرها من المواضيع الأساسيّة. أدخلتنا هذه المداخل فعلًا إلى لبّ تعليم الكنيسة، طارحين جانبًا القشور التي غالبًا ما كان يتلهّى بها الناس وبعض من يدّعون إرشادهم. علّمنا الأب إلياس فتح الكتب الليتورجيّة والغوص في معانيها، فعدنا لا نشعر بطول الخِدم، بل نطلب المزيد. كيف لا أذكر، فيما أذكر، مصارعتنا مع كتاب التيبيكون، وخطواتنا الأولى في التفتيش عن وجه يسوع في الكتاب المقدّس، متّبعين إرشاداته ونصائحه!

مع مرور الزمن، كان أوّل من وضع في متناول أيدينا ترجمات عربيّة لكبار الآباء الروحيّين، من مرقس الناسك وأيفاغريوس، إلى يوحنّا السلّميّ، فغريغوريوس بالاماس وسمعان اللاهوتيّ الجديد. كذلك كان أوّل من جعلنا نعي أنّ العماد الثاني ممكن بواسطة سرّ الدموع الذي شجّعنا على اختباره. دموع خزينة وفرحة في آن، جعلتنا نُقدِم، بعيدًا من الخوف والوجل، على سرّ المصالحة مع الربّ وكنيسته. بهذا كلّه وصلَنا الأب إلياس بتراث كنيستنا النسكيّ والصلاتيّ الأصيل، وجعلنا ندرك أنّ الصلاة هي فنّ الفنون، وأنّ اللاهوت الحقيقيّ يكمن فيها، وليس في الفزلكات. بها يصير كلّ شيء ممكنًا، إذ تفتح طريق الملكوت، وتقرّبنا من العرش الإلهيّ. كان يقول لنا باستمرار: «لا تخافوا. قرّروا فقط أن تعطوا قلبكم ليسوع، فيعطيكم روحه». وكأنّي به يردّد إرشادات سمعان اللاهوتيّ الجديد، عندما كان يُلحّ على سامعيه قائلًا: «لا تقولوا إنّ نيل الروح الإلهيّ أمر مستحيل... لا تقولوا إنّ الله لا يكشف ذاته للإنسان... لا تقولوا إنّ الإنسان لا يستطيع معاينة النور الإلهيّ، وإنّ ذلك مستحيل في الأزمنة الحاضرة. على العكس، إنّه ممكن عندما نريد، ونلطّف أهواءنا، وننقّي أعين ذهننا».

كان هذا النور يسطع في الأب إلياس، وقد لاحظناه على وجهه، حتّى على فراش الموت. كان النور شغله الشاغل. من هنا، عندما قرّرت منشورات النور نشر غالبيّة مقالاته وأحاديثه غير المنشورة آنذاك، فالعنوان الذي اختاره كان: «آمنوا بالنور، تُصبحوا أبناء النور». كان هذا النور يظهر في عينيه وفي ابتساماته، رغم تواضعه وسعيه المستمرّ إلى إخفاء ظهوره، حتّى باستعماله أساليب مختلفة للتمويه، كالمزاح بخاصّة على حساب نفسه مثلًا، أو بواسطة «فركشاته» الشهيرة التي، إن دلّت على شيء، فعلى روحانيّة مشابهة للجنون في المسيح الذي عمّ تقليد كنيستنا. رغم هذا كلّه، أُعطي لمن عاشره طويلًا أن يلتقط بعضًا من فتات هذا النور.

قبل الانتهاء من كتاباته، لا بدّ من أن أذكر كتبه ومقالاته الأخيرة التي اقتصرت غالبًا على تعليقات قصيرة، وفي الظاهر بسيطة، على بعض الأقوال والأحداث الواردة في الكتاب العزيز. فيها وضع خلاصة خبرته الروحيّة، وبها يكشف بعض ما قيل له في سرّ لقائه مع السيّد. هي تذكّر بأقوال آباء الصحراء، استجابةً لطلب التلاميذ في سماع «كلمة». وهذا طبيعيّ، إذ من ينهل من الينبوع ذاته، لا بدّ من أن يسيل منه الماء الحيّ ذاته.

كان الأب إلياس لا يأخذ نفسه على محمل الجدّ، وكان يدعونا إلى أن نتمثّل بهذا التصرّف، قائلًا: «لا تعتبروا أنّكم مهمّون أكثر من اللازم، بل دعوا المسيح يقودكم حيث يشاء. كفّوا عن مقاومته. ثقوا به، وكلّ شيء سوف يُعطى لكم ويُزاد».

بقي مقتنعًا طيلة حياته بأنّ الدعوة إلى التوبة والعودة إلى الله، التي أطلقها مع رفاقه عند تأسيس الحركة، كانت صائبة ويجب أن تستمرّ، إذ لا نهضة في الكنيسة سوى بخروج كلّ عضو فيها من ذاته، وحمل صليبه والسير مع الربّ إلى ما لا نهاية. كان يقول: «لا وجود لنا في الكنيسة، ولا وجود للكنيسة فينا، بدون صليب الالتزام وآلامه». وكان يعتبر، على خلاف العديد ممّن رافقوا الحركة طويلًا ثمّ اعتلوا المراكز الكنسيّة، أنّ التزامه الحياة الرهبانيّة وإعادة إطلاقها في أنطاكية كان النتيجة الطبيعيّة للدعوة التي أطلقتها الحركة في عام 1942. وكان، حتّى آخر نسماته، مقتنعًا بضرورة استمرار الحركة في الكنيسة الأنطاكيّة، ساهرةً دومًا على مكافحة تجربة الانزلاق من «الحدث» إلى «المؤسّسة»، «لأنّ الكنيسة، أساسًا وجوهرًا، هي حدث وليست مؤسّسة، ولأنّ الحركة انطلقت من قبل الكنيسة الحدث لا المؤسّسة». وقال مرّات عديدة: «بل، رغم المؤسّسة». كان قلبه يدمي لمشاهدة الانزلاقات المتزايدة في كنيسة أنطاكية نحو مؤسّسة متحجّرة، فئويّة ومتسلّطة، تقمع حرّيّة أبناء الله، وتأخذ الروح القدس رهينة. كان يخشى مثل هذا السطو على الكنيسة. وكان يقول لنا، نحن الحركيّين: «عليكم أن تصيروا ما دُعيتم إليه، أي خلائق جديدة، وأبناءً للنور. ادعوا الروح ليسكن فيكم، واخرجوا من أنفسكم، وانطلقوا معه لملاقاة المسيح، فيأخذكم هو إلى الله الآب».

علّمنا الأب إلياس، بكلامه وبخاصّة بحياته، «الإحساس بضعفاتنا واليقين برحمة الربّ التي لا حدّ لها، والشكر الدائم على كلّ شيء»، وتاليًا «اللجوء إلى يسوع بحرارة ويقين». وعلّمنا أيضًا أنّ كلّ «خروج» من الذات نحو الله يلزمنا «بعودة» إلى الإنسان. إنّها في الواقع الحركة ذاتها، الممثّلة بمحبّتهما المزدوجة. إنّها بالفعل حركة واحدة، إذ إنّ محبّة الإخوة لا تلي محبّة الله، بل مثلها.

وقد حدّثنا، مرارًا، عن أسس العفّة والحياة الداخليّة، واختيار نمط عيشنا، والصدق والاستقامة، ومعرفة أهوائنا وكيفيّة محاربتها. وكان، في هذا الصدد، كتاب «أصول الحياة الروحيّة» الذي وضعه بالعربيّة، استنادًا إلى تعليم الأب أندريه (سكريما)، مرشدنا إلى معرفة حقيقيّة لأهوائنا وكيفيّة ضبطها. كلام الأب إلياس كان واقعيًّا وناتجًا من خبرة عميقة بالنفس البشريّة، واضعًا اليد في عمق الجرح، وساعيًا إلى مداواته بعيدًا من «الراشيتّات» الجاهزة والصارمة والقمعيّة، التي غالبًا ما يُواجَه بها الشباب في أيّامنا هذه.

كما ذكرنا آنفًا، هو أوّل من أعطانا مفاتيح لفهم الحياة الليتورجيّة، وحياة الأسرار، وكيفيّة الغوص فيهما وعيش مداهما الحقيقيّ. إذ كان يقول: «إنّنا بالليتورجيا نُمنَح نعمة الربّ شيئًا فشيئًا، ونتحوّل إلى الله بالمسيح، الذي به كلّ الأشياء ونحن به» (1 كورنثوس 8: 6). كان يعي صعوبة ولوج المبتدئين إلى قلب طقوسنا، وكان مقتنعًا بأنّه لا بدّ من نزع الغبار حيث تراكم بسبب خطايانا والجهل، للوصول مجدّدًا إلى قلب الحياة الليتورجيّة، التي تصنع منّا شهود عيان لأحداث الخلاص، وتعطينا «الوسيلة التي نبلغ بها شخصيًّا، قلبيًّا، معرفة الله ومحبّته والاتّحاد به»، فنتألّه. المطلوب، إذًا، التخلّص من كلّ ما يمنع عيش الليتورجيا عيشًا حقيقيًّا، عبر العادات المتحجّرة وشبه انعدام حياة الشركة بين المؤمنين، التي تحجب الله بدلًا من أن توصلنا إليه. مع هذا، كان ينبّهنا إلى خطورة «التيّار العقلانيّ الذي يدعو إلى التقليل من قيمة الطقوس، والقول بالصلاة المختصرة، والاكتفاء بالصلاة الشخصيّة في البيت». وكان مقتنعًا بأنّ «هذه النزعة من شأنها، عاجلًا أم آجلًا، تحويل الله إلى إله أخلاق وحسب، أو إله فكرة أو عقيدة، وتاليًا إلى إفراغ الأرض من الله الحيّ، المُعطى والمُعاش».

في إحدى مقالاته عن الكتاب المقدّس، وبعد أن تبحّر في مختلف مستويات قراءته لاكتشاف الوجود الحقيقيّ لله فيه، يُنهي كلامه هكذا: «يأتي وقت تترك النفس فيه الكتاب، وتجد في اسم يسوع خلاصة الكتاب كلّه وزبدته، بل يصبح الكتاب المكتوب عبئًا وحاجزًا بين النفس والربّ يسوع، فلا يسعنا سوى القول: يا ربّي يسوع المسيح، ابن الله، ارحمني أنا الخاطئ. إنّه نزول العقل إلى صمت القلب للقاء ربّ الوجود. الكلام من هذا العالم، أمّا كلمة الله الحيّ، فتُعلَن في الصمت الأزليّ، إذا طرحنا حقًّا كلّ اهتمام آخر، هناك في صميم قلبنا الصامت، حيث صورة الله قائمة، يشرق علينا نور وجهه».

وبما أنّنا نعيّد اليوم لصعود الأب إلياس إلى السماء ووجوده بقرب الحبيب المرتجى، وبالوقت ذاته نعيّد لذكرى تأسيس الحركة، الجدير بنا أن نسمع ما قاله منذ سنين في الحركة، والذي ما زال أساسيًّا يستحقّ التأمّل. قال في عيد الحركة الخمسين: «إنّ دور الحركة في الكنيسة كان وما يزال، وينبغي أن يبقى، تحريك جدّة الروح ووثبيّته في كلّ مجالات حياة الكنيسة. وهذا، طبعًا، بقدر توغّل الحركيّين والتزامهم الشخصيّ في تلك المجالات. يتطلّب استمرار الحركة على أمانتها وأصالتها مزيدًا من التوغّل في حياة الكنيسة، وذلك لا كمؤسّسة بل كحدث. هذا وإن لم تُعطِ الحركة مزيدًا من المتكرّسين والملتزمين حياتيًّا في الكنيسة، عتِقت وبطلت أن تكون حدثًا. أمّا إذا أعطت بسخاء، وأصبح معظم الكهنة في الكرسيّ الأنطاكيّ، والرهبان، والعاملون في حقل الكنيسة كافّةً، يعملون بروح الحركة، أي بروح الكنيسة الأصيل، فهذا ما نتمنّاه وما نعنيه بقولنا: إنّ الحركة وُجدت لكي يأتي يوم لا يكون لها فيه مبرّر للوجود. إنّه حلم، وما أروعه إن تحقّق».

ويستمرّ الأب إلياس قائلًا: «نصيحتي للحركيّين أن يتّجهوا أكثر فأكثر إلى الداخل. إنّنا، في الواقع، غالبًا ما نحيا حياتنا في الخارج، خارج “القلب الخفيّ”. إنّه داء “الخارجانيّة” الذي يرضي الإنسان الخارجيّ، ويعيق الإثمار الروحيّ الحقيقيّ، ويبقينا في الوهم. الرجوع إلى الذات بغية معرفة الذات حقًّا، وتنقية القلب حقًّا، وتجديده على الدوام، والانطلاق من نقاوة القلب هذه إلى ذكر الله، والأمانة له في أعمال الخدمة والمحبّة، هذا هو الجهاد المطلوب منّا، الجهاد الأساس، لأنّه الجهاد الذي لا بدّ منه للوصول إلى القداسة. وإن لم تُزهر في كنيستنا القداسة، فلسنا بشيء».

فهل نحن مستعدّون لرفع هذا التحدّي الذي يطلقه لنا الأب إلياس من حيث هو؟ كنيسة أنطاكية بحاجة اليوم، أكثر من أيّ وقت مضى، إلى أناس يتبتّلون للربّ، ولا يريدون أن يعرفوا سواه. همّهم الوحيد إرضاؤه وابتغاء وجهه. لا يفتّشون عن جاه أو تقدير أو شرف، إذ لا شرف لهم سوى شرف الخدمة وغسل أرجل الإخوة. بدون هذا السعي الدائم والدؤوب إلى الالتصاق بالربّ، والتخلّق بأخلاقه، واكتساب فكره، وحمل همّ التبشير بتعاليمه ونشر رسالته السارّة، لا قيمة لنا ولا حاجة إلينا. كثيرون هم المعلّمون، كثيرون هم المنظّرون، كثيرون هم الأسياد أو الذين يبتغون الوجاهة والسيادة. الكنيسة بحاجة إلى هؤلاء الصغار الذين قرّروا أن يتبعوا يسوع حيث يريد أن يأخذهم، عالمين أنّ طرق الربّ تؤدّي دومًا إلى صليب فقيامة. هكذا كانت الحركة في الأمس. هل نحن على العهد باقون؟ هل نحن مستعدّون لأن يكون كلّ واحد منّا مشروع قدّيس، ومشروع مصلح حقيقيّ في كنيسة افتقرت إلى القدّيسين والمصلحين؟

وإذ بنا عدنا إلى القداسة التي كانت، مع النور، محور فكر الأب إلياس وعيشه، فالجدير بنا أن نصمت، وندعو الله بحرارة إلى أن يكشف وجهه للأب إلياس، الذي طالما تاق إلى رؤيته، وأن يُسكِنه في النور الأبديّ، وأن يقبل منه التضرّعات التي لا بدّ من أنّه يرفعها من أجلنا.
فليكن ذكره مؤبّدًا!