المطران كاليستوس وير
ريمون رزق
سيرته
وُلِدَ تيموثي وير سنة 1934، ورقد سنة 2022. ترعرع في عائلة تنتمي إلى الكنيسة الأنغليكانيّة، وتخرّج من جامعة أوكسفورد حائزًا شهادتَي الدُّكتوراه في اللُّغات الكلاسيكيّة واللاهوت، ودرس أيضًا في جامعة برينستون الأميركيّة.
اكتشف الكنيسة الأرثوذكسيّة في السابعة عشرة من عمره، وانكبَّ على دراستها والتعرّف إلى تراثها، وبعد سبع سنوات دخل في شركتها، سنة 1958. عندها سافر إلى اليونان، وقضى وقتًا طويلًا في دير يوحنّا اللاهوتي في جزيرة باتموس، كما زار أورشليم وجبل آثوس، وشارك طيلة ستّة أشهر حياة أحد أديرة كندا التابع للكنيسة الروسيّة خارج روسيا.
ترهَّب متّخذًا اسم كاليستوس، وسيم كاهنًا سنة 1966، فخدم رعيّة أوكسفورد الأرثوذكسيّة. وعمل معلّمًا في جامعة أوكسفورد، واستمرّ في التعليم مدّة خمسٍ وثلاثين سنة، حتّى تقاعده. سيم أسقفًا على ديوكليا سنة 1982، وظلّ يخدم رعيّة أوكسفورد ويتابع محاضراته في الجامعة. وفي سنة 2007 رفعت كنيسة القسطنطينيّة أسقفيّة ديوكليا إلى رتبة المتروبوليتية.
نتاجه اللاهوتي
كتب كثيرًا وفي معظم جوانب الكنيسة الأرثوذكسيّة: التاريخ، والرُّوحانيّة، والأسرار، وصلاة يسوع، والقدّيسين، واللاهوت، ووالدة الإله، والرهبنة، والآبائيّات، والكهنوت الملوكيّ، والحضور في العالم والشهادة، والمسكونيّات، والمشاكل التي تواجه الكنيسة الراهنة: سيامة النساء، تسلُّط الأساقفة، التبشير، داء القوميّة، تمزُّق الكنيسة الأرثوذكسيّة، الوجود الأرثوذكسيّ في بلاد الانتشار، القضيّة الجينيّة والجندريّة، ومشاكل العالم المعاصر، إلخ.
صدر له كتب باللغتَين الإنكليزيّة والفرنسيّة، وقرابة مئتَي دراسةٍ ومقالةٍ ومحاضرة نُشرت في أهمّ المجلّات المسيحيّة. وتُرجمت بعض كتبه ومقالاته إلى لغات أخرى، بينها الإيطاليّة واليونانيّة والألمانيّة والعربيّة («الكنيسة الأرثوذكسيّة في الماضي والحاضر»، «الكنيسة الأرثوذكسيّة: إيمان وعقيدة»، «الملكوت الداخلي»).
اهتداؤه إلى الكنيسة الأرثوذكسيّة
قصَّ مسيرة اهتدائه إلى الكنيسة الأرثوذكسيّة. يقول إنّه أثناء تجوّله في لندن، في صيف 1952، وكان عمره يناهز السابعة عشرة، مرّ بكنيسة القدّيس فيليبوس للرعيّة الروسيّة. وكان لا يعرفها، فدخلها. كانت غارقة في الظلام، فاعتبرها لأوّل وهلة فارغةً من الناس، وأعطته «شعورًا بالغياب». ثمّ أدرك أنّها لم تكن فارغةً بالكُلِّيّة، إذ رأى قلّةً من المؤمنين، معظمهم شيوخًا، واقفين بالقرب من الجدران، وأيقوناتٍ معلّقةً على الجدران، وبعض الشَّمع أمام حائط الإيقونسطاس. وسمع ترتيلَ جوقةٍ لم يستطع تمييز مكان وجودها.
يقول: «إنّ شعوري الأوّل بالغياب تحوّل فجأةً إلى شعورٍ بالوجود اجتاحني. فشعرتُ أنّ الكنيسة التي ظهرت فارغةً كانت ملأى بمؤمنين غير منظورين أحاطوا بي. ففهمتُ أنّنا، نحن شعب المؤمنين المنظورين، جزءٌ من مجموعةٍ أكثر اتّساعًا. وعندما نصلّي، نشارك بفعلٍ أوسع من فعلنا، بتسبيحٍ يشمل الكلّ، ويوحّد الزمان بالأبديّة، والوقائع الأرضيّة بالوقائع العُلويّة... فشعرتُ بقُربى الليتورجيا السماويّة، وقُربى الملائكة والقدّيسين، وجمال ملكوت الله غير المخلوق. وعند خروجي من الكنيسة قلتُ لنفسي: هذا المكان هو بيتي، لقد وصلتُ إليه... وشعرتُ في أعماق قلبي أنّ الكنيسة الأرثوذكسيّة تدعوني».
ثمّ يتابع قائلًا: «أشكر الربّ على أنّ أوّل اتّصالي بالكنيسة الأرثوذكسيّة لم يكن بقراءة الكتب، ولا باللقاء مع أرثوذكسيّين في مناسبة اجتماعيّة، بل بالمشاركة في خدمةٍ تسبيحيّة. فالكنيسة، كما يفهمها الأرثوذكسيّون، هي أوّلًا جماعةٌ ليتورجيّة تعبّر عن هويّتها الحقيقيّة بالصلاة والتسبيح. تأتي الليتورجيا أوّلًا، ثمّ العقيدة والقوانين».
ويقول إنّ كثيرين من أصدقائه الأنغليكان نصحوه بالعدول عن قراره بالالتحاق بالكنيسة الأرثوذكسيّة، وأيضًا بعض الأرثوذكسيّين الذين نبّهوه إلى تقصير الكنيسة الأرثوذكسيّة التاريخيّ وتخاذلها ومشاكلها في العالم الحاضر، وقالوا له إنّ «الأرثوذكسيّة هي عمليًّا بعيدةٌ كلَّ البُعد عن السماء على الأرض».
ويروي كيف تعرّف في أوكسفورد إلى بعض اللاهوتيّين الأرثوذكسيّين، أمثال نقولا زيرنوف وباسيل كريفوشايين، المتخصّص بسمعان اللاهوتيّ الجديد. وانصبَّ على قراءة فدوتوف، وخومياكوف، ودوستوييفسكي، وفلاديمير لوسكي، ونقولا أفاناسييف، وليف جيلله، والقدّيسين سرافيم ساروفسكي، وكزينيا من سان بطرسبورغ، ويوحنّا الكرونشتادي، ونكتاريوس الإيجيني.
ويقول: «كلّما توغّلتُ بدراسة الأرثوذكسيّة، كلّما فهمتُ أنّ ما شعرتُ به دائمًا في داخلي، ولم أكن قد سمعته قطّ معبّرًا عنه، وجدته فيها بشكلٍ جيّد. ولم أكن أجد الأرثوذكسيّة غارقةً في القِدم، ولا غريبةً أو دخيلة. بالنسبة إليّ كانت تمثّل المسيحيّة الحقّة، بكلّ بساطة... وكنتُ أجد فيها تواصلًا حيًّا غير منقطعٍ مع كنيسة الرسل والشهداء والآباء والمجامع المسكونيّة». وأدركتُ أنّ التقليد لا يعني نقلَ تحديداتٍ عقائديّة فقط، بل أيضًا نقلَ الرُّوحانيّة والصلاة الهدوئيّة التي تضع جانبًا الصورَ والأفكار. وتعلّمتُ من قراءة «روايات سائح روسي» وكتب الأب ليف جيلله حول يسوع، كيف يمكن الوصول إلى الهدوء الداخليّ وسكوت القلب بتردادٍ دائمٍ لصلاة يسوع.
ويروي كيف مُسِحَ بالميرون المقدّس في يوم الجمعة من أسبوع التجديدات بعد عيد الفصح، سنة 1958. وينهي قائلًا: «لم تكن حياتي داخل الكنيسة الأرثوذكسيّة دومًا “السماء على الأرض”. أُحبِطتُ مرارًا كثيرة. ولكن ألم يقل المسيح إنّ التلمذة تعني حمل الصليب؟ وبعد نحو خمسين سنة من قبولي في الكنيسة الأرثوذكسيّة، يمكنني التأكيد من كلّ قلبي أنّ رؤية الأرثوذكسيّة التي شعرتُ بها أثناء الصلاة التي اشتركتُ بها في الكنيسة الروسيّة، سنة 1952، كانت أكيدةً وصحيحة، ولم أندم قطّ على انتمائي إليها»[1].
اهتدى هو وغيره كثيرون على الرغم من ضعفات الكنيسة الأرثوذكسيّة، والشهادة العكسيّة التي تُظهرها أحيانًا للعالم. لكنّ الروح القدس يعمل من خلال ضعفاتنا. وكما قال الأب ليف: «أيّتها الكنيسة الأرثوذكسيّة الغريبة، الغارقة في الفقر والضعف، والتي تُبقِيها معجزةً في وسط التقلّبات والصراعات. كنيسةُ المفارقات، تحترم التقاليد وحرّة في الوقت ذاته. إنّها تجنح إلى القِدم مع أنّها حيّة. وهي معًا متعلّقة جدًّا بالطقوس، وتشجّع حريّة الإنسان في مسارها الصوفيّ. وهي الكنيسة حيث تُحفَظ لؤلؤة الإنجيل الكثيرة الثمن أحيانًا تحت طبقةٍ من الغبار. وهي كنيسة لم تعرف غالبًا الانتقال إلى الفعل، لكنّها تعرف التعبير عن فرح القيامة كما لا تعرف أيّة كنيسة أخرى».
معالم شخصيّته
عُرِف بسعة علمه، وسلاسة لغته، ومهارته الإداريّة، وخاصّةً بنشاطه الرعائيّ كاهنًا ومعلّمًا.
كراعٍ، بأمانة خدمته، وغالبًا بإقامته الخِدَم ككاهن، وبوعظه واستفقاده الدؤوب لأعضاء رعيّته.
كمعلّم، بعمق فكره اللاهوتيّ ووضوح تعليمه. وقد أثّر إيجابيًّا في أجيالٍ من تلاميذ أوكسفورد كأستاذٍ للآبائيّات، وأقنعهم بأنّ اللاهوت الأرثوذكسيّ هو شريكٌ حواريّ فقده الغرب منذ أجيال، ويتوق لا شعوريًّا إلى إيجاده.
كأبٍ روحيّ، برحابة صدره، ومحبّته، وحنانه، ومعرفته الموسوعيّة للآباء المُسْتَنيرين، وقبل كلّ شيء حرارة صلاته مع المعترف ومن أجله.
كعاملٍ في مجال المسكونيّات، بانفتاحه وقدرته الفائقة على إظهار الكنيسة الأرثوذكسيّة «كطريق»، لا كمجموعة عقائد وممارسات وتقاليد كما يفعل كثيرون عادة. وقد ساهم في حوار الكنيسة الأرثوذكسيّة مع كنيسة رومة والكنيسة الأنغليكانيّة.
كشاهدٍ في هذا العالم، بحواره المحبّ والمنفتح على العلوم والثقافات.
كإداريّ، بترؤسه مجلس إدارة معهد كمبريدج للدراسات المسيحيّة الأرثوذكسيّة، وبرئاسته «أصدقاء الأرثوذكسيّة» في جزيرة إيونا في اسكتلندا، و«أصدقاء جبل آثوس» في بريطانيا.
بعض مواقفه
كان حرًّا في مواقفه، يعبّر عن قناعاته من دون استعمال اللغة الخشبيّة التي يلجأ إليها الأساقفة عادة.
قضيّة إنشاء كنيسة أرثوذكسيّة في أوكرانيا تنافس الكنيسة الشرعيّة
مع أنّه يتبع للبطريركيّة المسكونيّة، كان وحده، مع أنستاسيوس (يانولاتوس) رئيس أساقفة ألبانيا، ممّن عبّروا عن عدم موافقتهم على ما قام به البطريرك برثلماوس، قائلًا: «يبدو لي واضحًا أنّ أوكرانيا تبعت الكنيسة الروسيّة منذ أكثر من ثلاثمائة سنة. فنُقِلَت متروبولية كييف، باتّفاق سنة 1686، من أموفوريون البطريركيّة المسكونيّة إلى أموفوريون بطريركيّة موسكو. إنّه حدثٌ تاريخيّ ثابت، ولا يمكن تغيير أيّ شيء في الماضي. يمثّل منح الاستقلال لفيلاريت ومكاري، زعماء “بطريركيّة كييف” و“الكنيسة الأوكرانيّة الأرثوذكسيّة المستقلّة”، وأساقفتها المنشقّين، غلطةً كبيرة. لذلك لا أعتبر أبدًا أنّ تدخّل بطريرك القسطنطينيّة في شؤونٍ متعلّقة بأرضٍ ضمن الكنيسة الروسيّة مبرّرًا. وفي الوقت نفسه تقلقني أفعال كيريل بطريرك موسكو والكنيسة الروسيّة بقطعهم الشركة مع القسطنطينيّة. أعتقد أنّ مناقشة قضيّة أوكرانيا يجب أن تكون في روح المحبّة الأخويّة، من دون قطعٍ للشركة… كنيستنا الأرثوذكسيّة هي كنيسة المصالحة، كنيسة مجمعيّة، والمجمعيّة تفترض الاحترام المتبادل والوصول إلى التفاهم. لذلك علينا أن نخاطب بعضنا بعضًا بانفتاحٍ وصدقٍ وبمحبّة المسيح».
اضطهاد كنيسة أوكرانيا الشرعيّة
قال: «برأيي، يمكن أن يؤدّي الطرد العنيف لرهبان دير الكهوف في كييف ودير بوتشاييف إلى كارثةٍ أو فضيحةٍ مُعثِرة. أرجو وأصلّي ألّا يحدث ذلك». وقد حدث، ويا للأسف.
أصدقاؤه
تتلمذ على الشيخ القدّيس أمفيلوخيوس من دير باتموس (1889–1970). ويروي أنّه قال له مرّةً: «أتعرِف أنّ الله أعطانا وصيّةً لم تُلحَظ في الكتاب المقدّس؟ إنّها وصيّة محبّة الأشجار. مَن لا يحبّ الأشجار لا يحبّ الله». وأضاف: «عندما تزرع شجرةً، تزرع الأمل والسلام والمحبّة، وسيباركك الله».
كان الآباء أقرب أصدقائه إليه، ولا سيّما إيريناوس، والآباء الكبادوكيّين، ومكسيموس المعترف، وسمعان اللاهوتيّ الجديد، وغريغوريوس بالاماس. وقال: «كانوا جميعًا مصدر استنارةٍ لي، لكنّ الأقرب إليّ هو غريغوريوس النيصصيّ».
تصادق مع كبار اللاهوتيّين الأرثوذكسيّين المعاصرين، وفي طليعتهم الأب ليف جيلله، والقدّيس الأب صفروني (سخاروف)، والأسقف باسيل كريفوشايين، وفلاديمير لوسكي، ونقولا زيرنوف، والأب جورج فلوروفسكي، والأب ألكسندر شميمّان، والأب جان مايندورف، وأوليفييه كليمان، وكان له أصدقاء في جميع الكنائس المسيحيّة.
تأثير بعض كتبه على الحركة
كان لدينا في البدء فقط كتاب «الكنيسة الأرثوذكسيّة» للأب سيرج بولغاكوف، الكثيف والصعب، في ترجمته الفرنسيّة التي قام بها الأب ليف جيلله، لتنويرنا على كنيستنا. وإذ صدر سنة 1963 كتاب تيموثي وير «الكنيسة الأرثوذكسيّة، كنيسة المجامع السبعة» بأسلوبه الواضح وبمتناول الجميع، انكببنا عليه لمعرفة تاريخ الكنيسة وتعاليمها (الإيمان، الحياة الأسراريّة، الأعياد، الليتورجيا، الأيقونة، اللاهوت والروحانيّة، الحضور في العالم، والانفتاح على الكنائس الأخرى). وقمنا لاحقًا بترجمته، وصدر في كتابين: «الماضي والحاضر» و«إيمان وعقيدة»، في سلسلة «تعرّف إلى كنيستك» التابعة لمنشورات النور.
وتمّت ترجمة لاحقًا كتاب «الملكوت الداخلي» وإصداره في تعاونيّة النور الأرثوذكسيّة، وأيضًا كتاب «تحدّيات اللاهوت الأرثوذكسيّ في القرن الحادي والعشرين».
الله والمسيح
«الثالوث حاضر في فكرنا وكلامنا وتنفّسنا».
«ليس الإله المسيحيّ مجرّد وحدة، بل هو اتّحاد، وليس مجرّد اتّحاد، بل هو شركة».
«علينا ألّا نترك العالم ونعتزل عن باقي البشر، ونغرق في نوعٍ من فراغٍ مسّاريّ لإيجاد الله. بل على العكس من ذلك، ينظر المسيح إلينا من خلال أعين كلّ الذين نلتقيهم. وعندما نُدرِك وجوده هذا الكونيّ، تُصبح كلّ أعمالنا في خدمة الآخرين صلوات».
«البشر، المخلوقون على صورة الإله الثالوث، مدعوّون أن ينسخوا على الأرض سرّ المحبّة المتبادلة الذي يعيشه الثالوث في السماء».
«لم يقل المسيح إنّي التقليد، بل قال إنّي الحياة».
«تكمن معرفة الله الحقيقيّة باللّامعرفة، وبالإدراك أنّه لا يمكننا معرفته».
«فتح التجسّد الإلهيّ الطريق لتألّه الإنسان. أن نتألّه يعني أن “نتمسحن”، بعبارة أكثر تحديدًا. إنّ الشبه الإلهيّ الذي نحن مدعوّون لاكتسابه هو التشبّه بالمسيح. فمن خلال يسوع، الإله الإنسان، نصبح نحن البشر “إلهيّين”، و“نصير شركاء الطبيعة الإلهيّة” (2 بطرس 1: 4)».
«لم تبقَ دائرة الحبّ الإلهيّ مغلقة».
«لم يُدِن يسوع سوى المنافقين».
الإيمان
«ليس الإيمان بالله البتّة من نوع اليقين المنطقيّ الذي نصل إليه في الهندسة الإقليديّة. ليس الله نتيجة عمليّة تفكير، أو حلًّا لمسألة رياضيّة. ليس الإيمان بالله قبول إمكانيّة وجوده لأنّه “بُرهِن” لنا جرّاء حجّة نظريّة، بل يكمن في وضع ثقتنا بأحد نعرفه ونحبّه. ليس الإيمان افتراض أنّ شيئًا ما قد يكون حقيقيًّا، بل تأكيدًا لوجود شخص».
المسيحيّة
«ليس من واجبات المسيحيّة أن تعطي أجوبةً على كلّ سؤال، بل أن تجعلنا ندرك سرًّا بطريقة تدريجيّة. الله ليس موضوع معرفتنا، بل سبب إعجابنا».
«لا نطلق في الإطار المسيحيّ عبارة “السرّ” فقط على ما هو مُحيِّر وغامض، أو على لغز أو مشكلة غير قابلة للحلّ. بل على العكس من ذلك، يكمن السرّ في شيءٍ تمّ كشفه لنا، ولكن لا نفهمه بشكلٍ كامل لأنّه يؤدّي إلى عمق الله أو ظلامه. العينان مغلقتان، وفي الوقت نفسه هما مفتوحتان».
المسيحي
«يعتبر القدّيس غريغوريوس أنّ الطريق الذي يسلكه المسيحيّ ليس مشيًا من الظلمة إلى النور، بل على العكس من ذلك، هو طريق من النور إلى الظلام، سيرٌ نحو السرّ وفيه».
«أن أكون مسيحيًّا ولاهوتيًّا يعني ألّا أستريح أبدًا بإنجازاتي، بل التقدّم باستمرار واتّباع السيّد. أمّا جوهر الكمال فيكمن في أنّنا لا نصل إليه أبدًا، ولن نصبح أبدًا كاملين. نتقدّم نحو ما ينتظرنا، وننتقل من مجدٍ إلى مجد. يقول إيريناوس: “حتّى في الدهر الآتي، سيستمرّ السيّد بالإعلان لنا شيئًا جديدًا يخصّه، وعلينا أن نتعلّمه”… ما نعلمه ليس سوى جزءٍ بسيط ممّا يُمكن ويجب قوله، إذ لا يمكننا أبدًا فهمه بالكامل. وباتّباعنا المسيح، علينا أن نمشي دائمًا وراءه ونرى ظهره فقط. لن نستطيع أن نلحق به تمامًا. إنّنا نبقى وراءه».
«نحن دائمًا في سفرٍ عبر فضاء القلب الداخليّ، سفر لا يُقاس بالساعات أو الأيّام، لأنّه سفر خارج الزمن نحو الأبديّة».
«نُصبح شخصًا حقيقيًّا بمحبّتنا الله وباقي البشر. فالمحبّة، بمعناها العميق، هي حياة الخالق وقدرته فينا».
«علينا، نحن المسيحيّين، أن نؤكّد القيمة السامية للمشاركة المباشرة، وللّقاء المباشر، لا من آلةٍ إلى آلة، بل من شخصٍ لآخر، وجهًا لوجه».
الخليقة
«كلّ المخلوقات مدموغة بختم الثالوث».
«الكون كلّه هو عليّقةٌ مشتعلةٌ كبيرة، تتغلغلها نار القدرة والمجد الإلهيَّين».
«لا يجب أن نختصر وجود الله في العالم بمجموعة محدودة من أشياء التقوى ومقاماتها، ونعتبر أيّ شيءٍ آخر “دنيويًّا”. بل علينا أن ننظر إلى كلّ الأشياء كهبةٍ من الله ووسيلةٍ للشركة معه. هذا لا يعني أنّ علينا قبول العالم الساقط بحسب مفاهيمه. فكلّ الأشياء مقدّسة في كيانها الحقيقيّ وبموجب جوهرها العميق، لكنّ علاقتنا بخليقة الله انحرفت بالخطيئة، الأصليّة والشخصيّة، ولن نعود نكتشف قدسيّتها الجوهريّة ما لم يتنقَّ قلبنا. لا يسعنا، من دون نكران الذات والجهاد النسكيّ، تأكيد جمال العالم الحقيقيّ. لذلك لا مشاهدة حقيقيّة من دون توبة».
«إذا لم أشعر بالفرح أمام خليقة الله، وإذا نسيتُ أن أقدّم العالم لله بالشكران، أكون قد تقدّمت قليلًا جدًّا في الطريق المؤدّي إلى الله، ولم أتعلّم بعد أن أكون إنسانًا بالحقيقة. لأنّي بالشكران فقط أُحقّق ذاتي».
الموقف من العلم ونظريّة التطوّر
«يمكن أن يكون الله قد عمل من خلال نظريّة التطوّر. ولا شيء كان يضطرّه إلى خلق كلّ الأشياء في البدء كما هي اليوم، ويمكنه أن يكون قد استعمل عمليّة التطوّر. لكنّنا، بقولنا هذا، نبتعد عن مجال العلم. أمّا في مجال الدين، فنؤكّد أنّ الإنسان يحتلّ مركزًا فريدًا في الكون، لأنّه خُلق على صورة الله ومثاله. فهو ليس قردًا متفوّقًا. ولكن بقولنا إنّه “خُلق على صورة الله ومثاله”، نعلن شيئًا عن الإنسانيّة لا يمكن للعلم أن يؤكّده أو ينفيه. وبذلك نبتعد عن المجال العلميّ. فأعتقد إذًا أنّ المفهوم الصحيح للعلم وكيفيّة عمله يمكن أن يساعد المفكّرين الدينيّين، إذا حافظوا على التمييز بين مجال العلم ومجال الدين. وإذا حافظنا على هذا التمييز، لا أعتقد أنّ العلم يشكّل خطرًا علينا».
التقليد
«ليس التقليد مبدأ حمايةٍ ومحافظة فقط، بل هو أساسًا مبدأ نموٍّ وتجديد. إنّه ثبات الروح الدائم، وليس تذكُّر كلماتٍ فقط».
التوبة
«إذا فُهِمت التوبة صحيحًا، فهي ليست سلبيّة بل إيجابيّة. إنّها لا تعني الشفقة على النفس أو الندم، بل الاهتداء، وإعادة محورة حياتنا كلّها على الثالوث. تكمن في النظر، لا إلى الوراء بأسى، بل إلى الأمام بأمل، وليس إلى عيوبنا في الأسفل، بل إلى العلو، إلى محبّة الله. إنّها في النظر، لا إلى ما فشلنا في أن نكونه، بل إلى ما يمكننا أن نصبحه الآن بالنعمة الإلهيّة. تكمن التوبة في أن نفتح العينين على النور. وبهذا المعنى، ليست التوبة مجرّد فعلٍ واحد وخطوةٍ أوليّة، بل حالة مستمرّة وموقفًا من القلب والإرادة يجب تجديده باستمرار وحتّى نهاية الحياة».
الآخر
«معرفة شخصٍ ما هي أكثر بكثير من مجرّد معرفة حقائق عنه. معرفة شخصٍ ما هي، في الأساس، أن تحبّه أو تحبّها. فلا يمكن أن يكون هناك وعي حقيقيّ لأشخاص آخرين من دون محبّة متبادلة. وليس لدينا أيّة معرفة حقيقيّة بمن نكرههم».
«ليس الفرد المنعزل شخصًا حقيقيًّا. فالشخص الحقيقيّ يعيش مع الآخرين ومن أجلهم. وكلّما زادت العلاقات الشخصيّة التي نقيمها مع الآخرين، أدركنا أنفسنا أكثر كأشخاص. وقد قيل إنّه لا يمكن أن يكون هناك شخصٌ حقيقيّ ما لم يوجد اثنان في اتّصالٍ بينهما».
مطالعة الكتاب المقدّس
«عندما نقرأ الكتاب المقدّس، نسعى غالبًا إلى تجميع المعلومات، ونصارع مع معنى الجمل الصعبة، مقارِنين ومحلّلين. لكنّ ذلك ثانويّ. فالغرض الحقيقيّ من دراسة الكتاب المقدّس هو أكثر من ذلك بكثير: تغذية محبّتنا للمسيح، وتأجيج قلبنا بالصلاة، وتزويدنا بإرشادٍ لحياتنا الشخصيّة».
ثقافة الغرب
«ترتكز ثقافة الغرب المعاصر ونظامه التربويّ بشكلٍ حصريّ تقريبًا على تدريب العقل المنطقيّ، وبدرجةٍ أقلّ على المشاعر الجماليّة. وقد نسي معظمنا أنّنا لسنا فقط عقلًا وإرادةً وحواسّ ومشاعر، بل إنّنا أيضًا روح. فقد الإنسان المعاصر، في كثير من الأحيان، الاتّصال بأحقّ وأعلى جانبٍ من كيانه، ونتج قلقه بوضوح شديد عن هذا الاغتراب الداخليّ، وافتقاره إلى الهويّة، وفقدانه للأمل».