ثلاثة بطاركة كبار على الكرسيّ الأنطاكي

 ريمون رزق - كانون الثاني 2013 


طُلب مني أن أتكلّم اليوم عن بطريركنا الراحل، المثلَّث الرحمات أغناطيوس الرابع، وبطريركنا الجديد يوحنّا العاشر، وأن أعبّر عن خبراتي معهما. لكنّي أودّ أن أضيف عليهما البطريرك الذي سبقهما، الياس الرابع، لأنّه هو مَن مهّد طريق النهضة الأنطاكيّة التي عليهما أن يوطّدوها.

قلّما يحدث أن يعتلي كرسيًّا رسوليًّا على التوالي ثلاثة بطاركة بالحجم الذي أعطانا الله أن يكون عليه بطاركتنا منذ عام 1970 حتّى الآن. وهذه علامة واضحة لتبنّي الروح القدس هذا الكرسيّ، رغم كلّ الصعاب التي واجهناها في تلك المرحلة وسقطاتنا الكثيرة. كان يُعتبر الأرثوذكسيّون في العالم في أواخر الأربعينات من القرن الماضي أنّ أنطاكية نموذج واضح لكنيسة "نائمة"، وإذ افتقدها الله في مطلع الأربعينات فأصبحت فاعلة، شاهدة، متألّقة بالتوبة والقداسات. هذا لا يعني أن كلّ شيء كان على ما يُرام، بل إنّ سعيًا حثيثًا بُذل وإرادةً أكيدة أمّنت القيام بعد كلّ وقعة. والوقعات كانت كثيرة، وكذلك المصاعب، كما رجعنا مرارًا إلى محبّتنا الأولى للمسيح، التي جعلت النهضة ممكنة.

قبل اعتلائه السدّة البطريركيّة في عام 1970، كان الياس الرابع المطران الوحيد في الكرسيّ الأنطاكيّ الذي حضن النهضة منذ نشأتها، وناضل من أجل أهدافها داخل المجمع المقدّس. وكان آنذاك معظم أعضائه ذوي شخصيّات قويّة، لكنّهم لم يكترسوا كثيرًا للحياة الروحيّة والوعظ والتبشير، حاصرين اهتماماتهم بالشأن الطائفيّ والوجهاء والأغنياء. أضف إلى ذلك التأثير الروسيّ – آنذاك الشيوعيّ – الذي كان بعضهم يريد تشجيعه بالإتيان بمطارنة جدد يتبعون هذا الخطّ. فكانت منازعات كبيرة ابتداءً من الستّينات بين الطرف المدعو "الروسيّ"، الذي كان رأس حربته المرحوم المطران باسيليوس سماحة والمرحوم حبيب ربيز ومجلّة "الحركة"، من جهة، والمطران الياس معوّض وحركة الشبيبة الأرثوذكسيّة ومجلّة "النور" من جهة أخرى.

ومن المصاعب الكبيرة التي عاشتها الكنيسة في هذه المرحلة النزاع الكبير على مطرانيّة طرابلس بين الأسقف أغناطيوس هزيم والمطران سماحة، التي انتهت إلى انتخاب المطران الياس قربان. وكذلك انشق المجمع إذ تفرّد بعض أعضائه بانتخاب أربعة مطارنة على الكراسي الشاغرة مقابل مطارنتها الشرعيّين المنتَخبين من قبل المجمع برئاسة البطريرك. وحصل نزاع مرير لدخول هؤلاء إلى أبرشيّاتهم إذ تدخّلت السلطات دعمًا للمنشقين. وكانت مقاومة شعبيّة لا مثيل لها في اللاذقية، مثلاً، دفاعًا عن مطرانها الشرعيّ أغناطيوس هزيم. كانت أيّام عصيبة، وبعض منّا عاشها شابًّا.

وكان انتخاب الأرشمندريت جورج خضر، مطلق النهضة وأحد رموزها، مطرانًا على أبرشيّتكم المحروسة من الله سنة 1970، وانتخاب البطريرك الياس الرابع في السنة ذاتها، محطتين مهمّتين في هذه الأزمة.

الياس الرابع: وُلد البطريرك الياس (معوّض) في أرصون، المتن الأعلى، سنة 1914، وكرّس حياته للكنيسة في أيام البطريرك – هو أيضًا الكبير – غريغوريوس الرابع (حدّاد) سنة 1927. درس في معهد خالكي اللاهوتيّ، وسُيّم كاهنًا في العام 1941. رعى الجالية الأرثوذكسيّة في البرازيل لثلاثة أعوام إلى أن انتخبه المجمع مطرانًا على حلب سنة 1950. رعى نشأة المركز الحركيّ فيها، ولم يوفّر الدعم له أبدًا.

مثّل الكنيسة الأنطاكيّة في مؤتمرات رودوس الثلاثة التي أطلقها البطريرك أثيناغوراس لتوطيد وحدة الكنائس الأرثوذكسيّة بين 1961 و1963 بعد تباعد طويل، إلى أن انتُخب بطريركًا في 1970. وخلال ولايته، عمل جاهدًا لتوطيد النهضة الأنطاكيّة بمجيء أحبار مقتنعين بها. ولكنّ النزاع مع "الحزب الروسيّ" لم يكن قد انتهى. وكان موقف البطريرك الياس صلبًا، فجرّد المنشقين الذين لم يتوبوا ولم يقدّموا الطاعة للمجمع، وكان بينهم الأرشمندريت أنطونيوس الشدراوي.

لن أطيل الكلام على هذا الموضوع، رغم أهمّيته وكونه يشكّل خلفيّة لما رافق انتخاب البطريرك يوحنّا العاشر من أحداث. يمكن لمن يهمه الأمر أن يعود إلى مجلّة "النور" التي تابعته بدقّة. وقد ترأس البطريرك الياس، مقتنعًا، الوفد المسيحيّ إلى المؤتمر الإسلامي في لاهور سنة 1974، حيث ألقى كلمة ذات شأن، كما زار السعوديّة وتناقش مع ملكها بشؤون العرب والمسيحيّين، واقترح لأوّل مرّة قيام مؤتمر مسيحيّ-إسلامي للبحث في مسألة القدس. وقد دعاه الجميع آنذاك "بطريرك العرب". توفّاه الله سنة 1979، وكان لا يزال في قمّة عطائه.

كان محبًّا، رقيق القلب، متواضعًا، متقشّفًا، قريبًا من الناس، وخاصّة من الشباب الذين كان يستمع إليهم، وكثيرًا ما يتجوّب معهم على طروحاتهم. أذكر أنّه بكى عندما زرته لوداعه قبل سفر عائلتي إلى أوروبّا هربًا من الحرب اللبنانيّة. وتدلّ معظم الترجمات التي قام بها، والتي نُشرت في مجلّة "النور" لنصوص مساريّة لسمعان اللاهوتيّ الجديد وغريغوريوس اللاهوتيّ وأفرام السريانيّ خاصّة، على روحانيّة سامية، وعلى أنّه كان يعيش حالة داخليّة هادئة رغم عصبيّته الظاهرة.

إن أُعطي لي أن أُلخّص بكلمات وجيزة شخصيّة الياس الرابع، سأتجاسر وأقول: محبّة فائقة لله وللناس، صلابة واستقامة الرأي، تواضع كبير وانفتاح محبّ على قضايا البلاد الساخنة، وراعي النهضة الأنطاكيّة الأوّل. وربّما لا أفشي سرًّا إن قلت إنّ آخر عمل قام به، عشية وفاته، كان مباركة الأرشمندريت يوحنّا (يازجي) والأخت مكرينا قبل سفرهما إلى اليونان للتحصيل اللاهوتيّ اتّباعًا لإرشاده لهما.


أغناطيوس هزيم: يقول البطريرك يوحنّا العاشر، في مستهلّ الكتيّب الذي وزّع بعيد خدمة جنّار الأربعين للمثلّث الرحمات البطريرك أغناطيوس الرابع: "قد تتلمذنا على يده عِلمًا وإيمانًا وتواضعًا". وربّما إن أردت زيادة شيء على هذه العبارات الثلاثة، أضيف إليها عبارتي عمل ونشاط. وهذه العبارات الخمسة تلخّص بامتياز شخصيّة البطريرك الراحل.

وُلد البطريرك أغناطيوس (هزيم) في محردة من أعمال حماه سنة 1920، وتلقّن دروسه الابتدائيّة على يد أبيه، معلّم الضيعة. ثمّ أُرسل إلى بيروت كمبتدأ سنة 1936، حيث تابع دراسته الثانويّة بالقسم الفرنسيّ للجامعة الأميركيّة. سُمّي شمّاسًا سنة 1941، ودرس الفلسفة والتربية في الجامعة ذاتها حيث تخرّج سنة 1945. التحق بحركة الشبيبة الأرثوذكسيّة منذ نشأتها عام 1942.

درّس الرياضيّات في مدرسة "الثلاثة الأقمار" من 1945 إلى 1949، ثمّ تابع دروسًا لاهوتيّة في معهد القدّيس سرجيوس في باريس وتخرّج منه سنة 1953. وساهم باسم الحركة، أثناء وجوده هناك، في تأسيس الرابطة العالميّة للشباب الأرثوذكسيّ، سينديسموس. بعد عودته إلى بيروت، أسّس مدرسة "البشارة" في الأشرفيّة وتسلّم إدارتها، جاعلًا منها إحدى أفضل مدارس المدينة.

طيلة فترة وجوده في بيروت، نشط في الحركة مرشدًا وواعظًا، ومسؤولًا عن الإرشاد في الأمانة العامة، وذلك حتّى أواخر الستّينات من القرن الفائت. كما نشط في الحورات المسكونيّة والثقافيّة في لبنان، واشترك في مؤتمرات عالميّة ومحليّة عديدة، ممثّلًا فيها الكرسيّ الأنطاكيّ. فكان نائب رئيس الرابطة العالميّة للطلبة المسيحيّين من 1960 إلى 1968، وتكلّم في الجمعية العموميّة لمجلس الكنائس العالميّ في 1968 في أوبسلا، كما ترأّس مجلس كنائس الشرق الأوسط الذي كان أحد مؤسّسيه من 1974 إلى 1994، وترأّس أيضًا مجلس الكنائس العالميّ من 1983 إلى 1991.

رُسِم أسقفًا سنة 1962 وعيّن وكيلاً بطريركيًّا لدى البطريرك ثيودوسيوس (أبو رجيلي). ترأس دير سيّدة البلمند ومدرسته الإكليريكيّة. انتُخب مطرانًا على اللاذقيّة سنة 1965، لكن لم يدخلها قبل أواخر الستّينات (1969) بسبب الانشقاق والصعاب التي ذكرناها. ساهم في تلك الفترة في ترميم دير البلمند، وإنشاء معهد القدّيس يوحنّا الدمشقيّ اللاهوتيّ، وإنشاء مدرسة البلمند الثانويّة. وكانت رعايته لأبرشيّة اللاذقيّة مليئة بالإصلاحات الرعائيّة، وإنشاء الكنائس وتنظيم الأوقاف.

انتُخب بطريركًا على أنطاكية في 1979، وتابع في دمشق نشاطاته العمرانيّة، فجدّد الدار البطريركيّة، وأسّس دارًا للضيافة ومؤسّسات اجتماعيّة أخرى. ترأّس الوفد المسيحيّ إلى المؤتمر الإسلاميّ في الطائف سنة 1981. خلال ولايته البطريركيّة، حرص على إزالة تداعيات الانشقاق، فأعاد رموزه إلى الشركة، وكان همّه دائمًا الحفاظ على وحدة الكرسيّ، وقد تساهل بأمور كثيرة بغية هذا الهدف. أسّس سنة 1988 جامعة البلمند وترأّس مجلس أمنائها إلى آخر حياته، وكانت الجامعة في سنواته الأخيرة مركز اهتماماته الأبرز. ويعتقد البعض أنّه طغى على اهتمامات الكنيسة الأنطاكيّة العديدة الأخرى، التي غاب عنها المجمع الأنطاكيّ شبه كلّيًّا خلال العشر سنوات الأخيرة من عمره. وقد توفّاه الله في 2012.

يمكن قول الكثير على بطريكنا الكبير الراحل، لكن سأكتفي ببعض الذكريات الشخصيّة، وبالاستشهاد ببعض أقواله البارزة. تعرّفت عليه شخصيًّا سنة 1956، مباشرة بعد أن هداني الله إلى الحركة. كان رئيس فرقتنا الجامعيّة، وكنّا نجتمع أسبوعيًّا "عنده" في مدرسة البشارة. أذكر أنّه درّسنا العقائد الأرثوذكسيّة بعمق، وكان يستند على ما كان قد كتبه من رؤوس أقلام أثناء دراسته في باريس. لم نكن آنذاك نعرف شيئًا، وقد فتح لنا إمكانيّة الولوج لاحقًا إلى الأعماق.

ذات يوم، ذهبت إليه لأسطحبه إلى اجتماع في أحد البيوت. كان شديد التعلّق بالوقت، وكان يلحّ علينا أن نحترمه دومًا، لكنّه بدى لي غير مستعجل في تلك الأمسية، وكاد وقت الاجتماع يأتي. وعند إلحاحي على ضرورة الانطلاق، انتهى إلى القول إنّه لا يمكن له أن ينطلق قبل أن يُعاد إليه حذاؤه الوحيد الذي كان قد أرسله للتصليح. وهكذا انتظرنا، وخالفنا توجيهاته بأن نكون منضبطين بالوقت. نعم، خالفنا، لكنّي تلقّنت درسًا مهمًّا عن تقشّف حياة هذا الرجل الذي كان يركض وراءه الكثيرون مكرّمين إيّاه.

لم يفارقه يومًا هذا العيش المتقشّف، في المأكل والمشرب، واللباس وما إليه. عاشر كبار القوم في الأوطان والعالم، ولم يتغيّر. يذكر البطريرك يوحنّا العاشر في مطلع الكتيّب السابق: "عندما حاول المجمع الأنطاكيّ أن يُقيم له يوبيلاً، قال: إنّي أرفض أيّ تكريم، لأنّ الله أنعم عليّ، وما أقدّمه ما هو إلاّ محاولة لشكري إيّاه على هذه النعم". حافظ البطريرك أغناطيوس إذًا على تواضعه حتّى النهاية، وكان كبيرًا به.

لأنّ "مَن يجد التواضع يجد الوداعة ويتغلّب على العدوانيّة والطمع، والوديع يحفظ الوصايا، ومَن يحفظ الوصايا يتنقّى، ومَن يتنقّى يستنِر ويصبح أهلاً للدخول مع الكلمة خدر الأسرار"، على حسب قول أحد قدّيسيّ أنطاكية الكبار، مكسيموس المعترف. مهما قيل وسيُقال عن بطريركنا الراحل، يبقى هذا التواضع وخشونة العيش ضمانًا له أمام عرش الله القدّوس.

كنّا في غالبيّة الأحاد، وأيضًا أيام الأربعاء، نشترك في القدّاس الإلهيّ في كنيسة مدرسة البشارة، حيث كان يخدم ويعظ. كثيرون كانوا يؤمّون هذه الكنيسة لمجرّد سماع وعظه. كان كلامه دومًا مقتضبًا، متمحورًا حول فكرة إنجيليّة واحدة، ذاهبًا إلى تطبيقاتها العمليّة في الحياة. ربّما يوجد بين الوعّاظ من يبدو أكثر علمًا أو معرفة أو طولًا في الكلام، لكن لم أعرف أحدًا يُفهِم كما كان يُفهَم وتاليًا يوثّر على مجرى حياة سامعيه.

قلّت لقاءاتنا بعد التحاقه باللاذقيّة، لكنّي لم أوفّر مناسبة زياراتي إليها في أوائل السبعينات، وكانت كثيرة لألتقي به ونسترجع ما ربطنا في بيروت. واستمرّت هذه العلاقة التي أعتقد أنّها كانت مبنية على المحبّة من الطرفين، بعد أعتلائه السدّة البطريركيّة. وكان لنا لقاءات عديدة في البلمند ودمشق وباريس، بعضها ابتدأ عاصفًا لصراحة القول والاختلاف بالرأي، خاصّة حول موضوع الحركة أو تصرّفات بعض المطارنة، لكنه انتهى دائمًا في سلام وتفهّم.

وأودّ في هذا السياق أن أذكر أنّنا اتّفقنا بعيد وفاة البطريرك الياس الرابع، ولأسباب كثيرة لا مجال لذكرها هنا، أن نسعى ونصلّي من أجل انتخابه، علمًا أنّ الداعمين لحركة الانشقاق كانوا لا يريدونه. أذكر أنّ البطريرك أغناطيوس، والمطران جورج والبير لحام، كانوا، مع زمرة من الشباب كنت بينهم، يعتقدون أنّهم يخطّطون لانتخاب بطريرك أو أسقف، ناسين أنّ الروح هو بالنهاية المنتخِب الأوّل والأخير.

إذ تأزّمت الأوضاع خلال اجتماع المجمع المقدّس بين مؤيّدي هزيم والمعترضين عليه، أتت مجموعة من المطارنة برئاسة متروبوليت أميركا الشماليّة، فيلبّوس صليبا، مقترحة على المطران جورج أن يكون مرشّح إجماع. ولكنّه، احترامًا للوعد المقطوع والاتّفاق مع الإخوة بدعم المطران هزيم، أبى وأقنع المعارضين بالعدول عن شخصه وانتخاب هزيم، وهكذا صار. فاتّضاع البطريرك أغناطيوس لا يوازيه سوى تواضع وانسحاق المطران جورج، أطال الله عمره إلى سنين عديدة.

لدينا عدد كبير من الكتب والمحاضرات والعظات للبطريرك الراحل، وسنسعى لاقتطاف بعض الأقوال القليلة منها.

وقد ارتأيت أوّلًا الرجوع إلى خطاب تنصيبه، حيث قال أشياء كثيرة، لم يتسنَّ له تحقيقها جميعًا، وممّا قاله:

"إذا استنرنا بالإنجيل فنحن كلمة جديدة. وإذا أصبح المؤمنون جميعًا لفتات إلى الله ترتسم طريق العودة من أحضان الدنيا إلى قلب الملكوت، وإذا بنا نستلم الرؤى التي إذا نزلت تنبسط الكنيسة على تراب الأرض مائدة من السماء".

"هذا يقتضي حضورًا روحيًّا في كلّ بيت، وتنبّهًا يوميًّا لحاجات النفوس، بحيث إن شكا الأولاد من الجوع، نعدّ مَن يكسر لهم خبزًا فلا يبقى لنا عذر الغياب. والمسيحيّة، فوق كلّ وسيلة ومنهج، مواصلة الروح والروح، ودنو الشاهد من منتظر الشهادة".

"قامت مؤسّساتنا الملّيّة تأدية لشهادة يسوع. من همومنا تنميتها بحيث تصبح مكان المشاركة والسهر والتأهيل، فيصلح الروح الإنجيليّ الوثاب المقرون بالمعرفة ما يكون قد ابتلى بالعتاقة".

"يصير توطيد الأواصر بين رعيّة ورعيّة، قبل كلّ شيء، إذا صار المجمع المقدّس 'قلبًا واحدًا'... فعلى صورة الثالوث المقدّس يكون مجمع الأساقفة والحياة الكنسيّة بأسرها لتنطلق الشهادة في العالم".

"إنسان هذه المنطقة حبيبنا. نحن من هذه الأرض نطلع فنتصاعد إلى السماء. نذهب حتّى جذور تاريخها ونمتدّ إلى غدها على مركبة الرجاء: نحن لسنا طائفة يقف همّها عند حدودها. نحن ومضة ونبض... حتّى يتألّق الجميع ويطمئنّ الجميع. ونحن على المصلوبيّة حتّى لا ينؤ أحد سوانا تحت الصليب".

"نحن في الحضارة المشرقيّة العربيّة لون أو نكهة... دعوتنا هي إلى سلام متين طيّب ينشأ من العدل ويقوم على التماس حق وطهر فيمَن هم سوانا".

"إنّ كلّ مَن يضع مسؤوليّة كنيسته على عاتق غيره يسلّم أرثوذكسيّته وكنيسته ويتنصّل منها... أنحطاطنا نتيجة مباشرة لابتعادنا عن كنيستنا".

"أعطني أشخاصًا مليئين بالحق ينطقون الحق بإخلاص، أشخاصًا مليئين بالخير يتكلّمون على الخير بإخلاص، أعطني رجالًا مخلصين أعطِك طائفة مُثلى، مجتمعًا أمثل... أولئك الرجال الأرثوذكسيّون بالفعل ينقصوننا. وبدون إيجادهم عبثًا نتذمّر، وعبثًا نتعزّى بالتاريخ، وعبثًا نتفاءل بالمستقبل، إن لم نكن أرثوذكسيّين بالحقيقة، فعبثًا نطلب التحسّن".

"تقودنا الحياة المسيحيّة في المناهل إلى لقاء الصدق بالله في هذه الديار. إقصاء الاستكبار والخوف والانطواء والصور المشوّهة هو طريقنا إلى سلامة المعرفة وإلى تعامل قائم على المعرفة. اللقاء في العمق مع أهل التوحيد جانب من جوانب حضورنا في هذه المنطقة".

"إذا سار بلدانا في حياة لهما جديدة وارتبطا بالإخاء والثقة والتطلّعات المصيريّة، فلهما القدس محجّة. وهي قائمة في قلب الدنيا العربيّة رمزًا لحريّة الإنسان من القمع والصلب. لقد أُعِدّ غير شعب عربيّ للذبح. ونحن نعلم أنّ دماء المظلومين تسيل من ذلك الجنب الذي طُعن بحربة. إنّ كنيسة المسيح تصلّي وتعمل حيث الدم يُهدَر والفقراء يُضطهَدون".

"تعالى نضع أنفسنا جميعًا لسماع صوت الروح كي يعطينا الجرأة لنمضي قُدمًا في طريق لقيانا في الربّ... أنا مقتنع أنّ ربّنا الواحد والأوحد سيستمر في معاضدتنا وإرشادنا إلى سبل الوحدة".

"علينا إدانة العنف الذي تمارسه الدول ضدّ الأفراد وضدّ بلدان أخرى، وخاصّة العنف المُمارَس ضدّ الفقراء. علينا، قبل كلّ شيء، أن نترأف على المظلومين المتطلّعين إلى الحرية والمقاومين المحتلّين. علينا أن نعمل جاهدين لإيقاف قتل الأبرياء في جميع البلدان حيث يموت الطفل والعجوز وبشر آخرون مجّانًا. يجب أن يعمّ العالم العدل وليس الانتقام".

يمكننا ذكر الكثير، لكنّنا سنكتفي بما سبق، داعين إيّاكم الرجوع إلى أعمال المثلّث الرحمات الصادرة عن جامعة البلمند أو منشورات "النور" من أجل المزيد.

البطريرك أغناطيوس كان كبيرًا بأخلاقه وتطلّعاته، والإنجازات التي أعطاه الله أن يحقّقها. سيبقى ذكره في أنطاكية حيًّا وملهِمًا. فالنبتهل إلى الله أن يكون هذا الذكر مؤبّدًا.

ماذا بعد؟ تكلّمنا عن الماضي البعيد والأكثر قربًا، وتوقّفنا عند الساطع ضياءً فيه والمتّشح ظلامًا. وذلك هو أمر الدنيا. فليس كلّ شيء مستقيم كلّيًّا، ولا شيء يخلو من الانحراف. أكمل أبوينا الياس الرابع وأغناطيوس الرابع الطريق الذي وضعهما الله فيه. ساهما في نهضة أنطاكية، كلّ على طريقته، وساهما ربّما أيضًا بشيء من انحطاطها. علينا الآن أن نتابع الطريق، مصرّين على النهضة وساعين أن نتفادى السقطات، وإنْ أعين أنّنا سقطنا، وسوف نسقط، بل راجين إعادة الكرّة، تائبين ومتّكلين على الله، لكي تستحق كنيستنا ما قاله عليها باسيليوس الكبير: "ما عسى أن يكون لكنائس الأرض كلّها شيء أكثر حيويّة من أنطاكية".

ويبدو لي بكلّ تواضع أنّ الله قد سمع صلوات المؤمنين وأصوامهم التي عمّت الكرسيّ الأنطاكيّ بعيد انتقال البطريرك أغناطيوس، لكي يُلهم أعضاء المجمع المقدّس اختيار راعٍ حسب قلب الله يكمّل الإيجابيّ في عمل أسلافه ويقوّم المعوج. وقد أُعطينا مثل هذا الراعي الصالح في شخص البطريرك يوحنّا العاشر.

إنّ الذين عايشوا الأحداث بعد وفاة البطريرك وانتخاب خلف له باتوا على قناعة تامّة أنّ الدور الأكبر في هذا الانتخاب كان للروح القدس، إذ خلال الأيام التي سبقته كانت المناورات والرشوات والتأثيرات السياسيّة على أوجها، وكنّا متخوّفين من فوز أحد المطارنة الذين لا يناصرون النهضة، بل لهم ثأر عليها، أمثال المطران أنطونيوس الشدراوي. كيف انقلب السحر على الساحر بين ليلة وضحاها؟ لا تفسير سوى الصلاة، إذ أنّ الله يستجيب. وقد أمضى أحد مطارنتنا الليل كلّه في الصلاة، مواجهًا انتقاد الكثيرين القائلين له إنّ الوقت ليس للصلاة بل للتخطيط والمناورة! استجاب الله لابتهالات غالبيّة المؤمنين الصامِتة التي حوّلت صمتها إلى صلاة وتضرّع. ذكّرنا الله جميعًا أنّه وحده سيّد كنيسته، وأنّه لن يسمح أن تطغو الظلمات عليها. نحن غالبًا ما ننساه، لكنّه لن ينسانا أبدًا!

وُلد البطريرك يوحنّا العاشر (يازجيّ) سنة 1955 في اللاذقية، حيث درس وتخرّج مهندسًا من جامعتها. وانخرط شابًّا في صفوف حركة الشبيبة الأرثوذكسية، ونشط فيها، وكان مرشدًا لعدد من فرقها، كما ترأّس لاحقًا مركزها. حصل سنة 1978 على شهادة في اللاهوت من معهد القدّيس يوحنّا الدمشقيّ في البلمند، وحصل على دكتوراه في اللاهوت من جامعة تسّالونيك سنة 1983، كما تخرّج من معهد الدراسات الموسيقية البيزنطية العالي هناك. صار شمّاسًا سنة 1979، ثمّ كاهنًا سنة 1983 في اللاذقية. درّس الليتورجيا في معهد البلمند، وصار عميدًا له لفترتين بين 1988 و1991، ثمّ بين 2001 و2005، كما كان رئيسًا للدير. أسّس سنة 1993 رهبنة في دير القدّيس جاورجيوس الحميراء وترأسها حتى سنة 2005. وهو حتى اليوم الأبّ الروحيّ لدير راهبات سيّدة بلومّانا بالقرب من طرطوس في سوريا. بعدها انتُخب أسقفًا على الحصن في وادي النصارى، واستمرّ في الخدمة هناك حتى سنة 2008، حيث انتخبه المجمع الأنطاكي متروبوليتًا على أوروبّا الغربيّة، إلى أن انتُخب بطريركًا على أنطاكية. وقد اشترك خلال كلّ هذه السنوات في مؤتمرات عالميّة وأرثوذكسية مختلفة، كما مثّل الكرسيّ الأنطاكيّ في الهيئة التحضيرية للمجمع الأرثوذكسي الكبير المقدّس. لقد وضع عددًا من الكتب في موضوع الأسرار والليتورجيا والموسيقى البيزنطية وسير القدّيسين، كما أعاد تنظيم كتب الكونتاكيون المختلفة.

تعرّفت عليه في أوائل السبعينات في إحدى زياراتي للّاذقية كأمين عام للحركة. وقد طلب مني آنذاك مسؤولو المركز أن أبدي رأيًا في موضوع كان يشغلهم، إذ أنّ عددًا من الشباب الجامعيين كانوا يودّون إقامة سهرانيات واجتماعات روحية تفوق المعتاد في المركز. وكان المسؤولون يخشون، إن وافقوا على طلبهم، أن تنمو فيهم روح نخبويّة ينزعج منها الباقون، وربما تؤدي إلى شيء من الغرور والكبرياء الروحيّ، وهو أخطر أشكال الكبرياء. قرّرت أن أتعرّف على هؤلاء الشباب، وكان عددهم لا يتجاوز الأربعة أو الخمسة. فاكتشفت تواضعهم وجديّتهم وذكاءهم، إذ كان معظمهم من الأوائل في صفوفهم الجامعية. كانوا ممتلئين بتلك الشعلة التي لا توجد إلا عند شباب لا يأخذون أنفسهم على محمل الجدّ، ويريدون محبّة يسوع كما هو أحبّهم. أقنعت المسؤولين بالسماح لهم أن يفعلوا ما يطلبون، فوافقوا بشرط أن أجتمع معهم بانتظام. ففعلت وتعلّمت منهم الكثير. أذكر أسماء ثلاثة منهم، وهم: البطريرك يوحنّا، والمتروبوليت سابا (إسبر)، والأمّ مكرينا، مؤسّسة ورئيسة دير بلومّانا.

بقيت على علاقة متينة بهم، وبتنا نتواصل كلّما سنحت الفرصة. والحقّ يُقال إنهم، رغم مناصبهم الرفيعة، بقوا جميعًا على بساطتهم المعهودة، غير معرَّضين لسوسة السلطة والتسلط التي تعبث بذوي المراكز. كلّ ذلك يبشّر بالخير إذًا. البطريرك الجديد بارع في التخطيط والتنظيم، وله رؤية واضحة بالأمور المستوجبة التقويم في شتى أنحاء الحياة الكنسية. له حياة روحية متأصّلة، تمرّس عليها في حياته الرهبانية، وحياة روحية منفتحة على مشاكل العالم وضرورة رعايتها كما فعل أثناء رعايته في وادي النصارى وأوروبا. قال في خطاب تنصيبه على أبرشيّة أوروبا: "إنّي أدرك أنّه لا وجود لحياة مسيحية حقّة دون الاقتداء بالمسيح والبحث المتواصل عن حضوره، والتحوّل إليه، وانعطاف القلب... وأنّ الراهب لا يحيا لذاته، لكنّه يحيا للعالم في الله".

وتابع قائلاً، متوجّهًا إلى الرعية: "سأكون بينكم أبًا لا مشرّعًا. سأسعى، بحياتي وأقوالي، أن أوضح لكم كيف يختبئ المسيح في وصاياه، وكيف نجده عندما نبحث عنه" (مرقس الناسك)، "وأنّه ليس قائمًا في العلى في سماء بعيدة، ولا في أسفل، بل أمامنا، أو بالأولى فينا، منتظرًا لقيانا". وقال أيضًا: "أدعو أن نحقّق فيما بيننا وبأسرع وقت الشركة والتعاون على مختلف صعد الحياة الكنسية، لنجعل الشهادة للربّ أكثر وضوحًا، ولنُظهر للعالم أنّ كلّ شيء بيننا يتمّ بلياقة ووفاق، وخاصة في المحبّة... ونعمل معًا، يدًا بيد، حتى نحقّق التوازن الأفضل بين الوحدة والتنوّع". ومتوجّهًا إلى الشباب بخاصّة، قال: "نريدكم معنا، لأنّكم تملكون قوّة لقهر الشرّير، وهذه القوّة ضرورية لنا. سأبدأ بالاستماع إليكم ودعوتكم إلى وليمة الواجب الذي ينتظرنا... سنسعى أن نجد معًا بروح الإنجيل كيف نواجه المشاكل الدنيوية ومشاكل مجتمع الاستهلاك بدون خوف أو تعقيد". ولا بدّ أن يعود على مثل هذه التطلّعات والأمنيات في خطاب تنصيبه كبطريرك على أنطاكية في 10 شباط المقبل في دمشق، وفي الخطاب الذي سيعلنه أثناء القدّاس الاحتفالي في كنيسة مار نقولا في بيروت في 17 شباط.

يمكننا غالبًا أن نتكهّن بما سوف يوجد في تلك الخطب الرسمية بالرجوع إلى التصريحات التي أعطاها حتى الآن لمختلف القنوات الإخبارية، وخاصّة في رسالته بمناسبة الميلاد، وعظته بمناسبة رأس السنة. نجد في الرسالة الميلادية: "الكنيسة أمّنا. كلّ واحد منكم مهمّ، ومكانته فريدة فيها. الرعاية حقكم على رعاتها، في كلّ مستويات الرعاية. على الراعي أن يخرج إليكم، صاغيًا لمشاكلكم، ساعيًا لمساعدتكم والإجابة على تساؤلاتكم المصيرية. حقكم على الرعاة، مقابل خضوعكم لكلمة الله وسعيكم الحثيث للتمثّل به، أن يُشركوكم في عمل الشورى والمشاركة في حلّ أمور الكنيسة، إذ إنّ الأبناء جميعًا مع ربّ العائلة يسهرون على مصير العائلة". ويتابع: "كنيسة المسيح أمّنا، والرعاة والمؤمنون فيها مدعوون أن يكونوا رسلاً للربّ، داعين إخوتهم إلى المصالحة ونبذ العنف لكي يسود السلام". وينهي الرسالة بالقول: "لا سبيل لنا سوى القداسة التي تجعل كلّ شيء ممكنًا".

أما في وعظة رأس السنة، فشدّد على: "أنّنا في كنيستنا الأنطاكية سنكون بنعمة الربّ في تجديد وتحديث دائمين، في نهضة نورانية تجمع دائمًا بين التقليد والحداثة. وسوف نواكب، في خدمتنا الكنسية بكافة أشكالها الروحية والرعائية والإدارية، العصر والتكنولوجيا، وذلك كلّه كي ننقل البشارة الإنجيلية إلى الإنسان". وينهي قائلاً: "نحن مشرقيون وجذورنا ضاربة في هذه الأرض، ونحن باقون مع شعبنا وإخوتنا، نعمل يدًا بيد لنكون رسالة حبٍّ وفرحٍ وسلامٍ وثقافةٍ وعراقة، كما أرادنا المسيح".

ألا أعطانا الله أن نحقّق هذه الأمنيات، ونتجنّد مع بطريركنا الجديد لخدمة البيعة المقدّسة، لكي تعود فتصبح أنطاكية علامة فارقة بين الأمم والكنائس. والسلام.