بحث هذه المدونة الإلكترونية
كتابات، أحاديث وتأمّلات في الإيمان والكنيسة وحركة الشبيبة الأرثوذكسيّة
مميزة
- الحصول على الرابط
- X
- بريد إلكتروني
- التطبيقات الأخرى
في الذكرى الثالثة والخمسين
ريمون رزق
النور - العدد التوثيقيّ 1996
عندما طلب منّي الأمين العام أن أتوجّه إليكم لمناسبة الذكرى الثالثة والخمسين لتأسيس حركة الشبيبة الأرثوذكسيّة لا أدري لماذا استيقظت في داخلي ثلاث حالات عشتها في مراحل مختلفة من حياتي وأودّ أن أنقلها إليكم.
قبل كلّ شيء سأذكر خاطرة حواها ديوان قدّمه إليّ راهب كاثوليكيّ فرنسي قبيل وفاته وذلك منذ حوالي عشر سنوات. وتقول هذه الخاطرة: "دعك من المستقبل فأنت لا تعرف كيف تنظر إليه وعيناك لا تريان فيه سوى الصلبان بينما هو لا يحوي إلّا المحبّة".
وهناك ايضًا جملة أخرى تمتمها برقّة أسقف أرثوذكسيّ روماني منذ ما يقارب أربعين سنة وذلك جوابًا على انتقادات لاذعو وجّهتها أمامه في مرحلة كنت فخورًا خلالها باكتشافي أرثوذكسيّتي من جديد إذ كنت، ككلّ متنصّر حديث، معترضًا على ما أسميته آنذاك "فتور" الكنائس الأرثوذكسيّة في أوروبا الشرقيّة. فقال لي هذا الأسقف وقد عكست عيناه كلّ ألم العالم: "على الأرثوذكس الشباب الذين يعيشون في البلاد المسمّاة حرّة أن يتشبّثوا بالإيمان حتى تتخلّص كنائسهم من فتورها فتعود شاهدة على الأرثوذكسيّة الحقّة".
وأخيرًا أورد لكم نظرة صديقة بروتستنتيّة أميركيّة التقيتها منذ زمن بعيد خلال جمعيّة مسكونيّة على أثر اجتماع تحدّث فيه الأرثوذكس عن الليتورجيا كمصدر لكلّ حياة مشتركة. فقد قالت: "كلّ هذا جميل للغاية وأنتم تقولون إنّ هذه هي رؤية الكنيسة الأولى وأرغب حقًّا في أن أصدّقكم ولكن هل من الممكن تجسيد كلّ هذا في حاضرنا؟ وأنت من تتكلّم حسنًا دلّني أين أراها معاشة اليوم".
يبدو لي أنّ سبب وجودنا والدافع إلى انتمائنا إلى حركة الشبيبة الأرثوذكسيّة والضرورة القصوى لرؤيتها مستمرّة في عملها بحيويّة متجدّدة رغم الذين يظنّون العكس تكمن كلّها في هذه الجمل الثلاث التي توضع كلّ واحدة منها وعلى طريقتها التجارب التي يجب تجنّبها دومًا وتجعلنا نستشفّ سبل التجدّد.
أناس قليلو الإيمان: فتورنا الشخصيّ
الجملة الأولى، "المستقبل ليس محفوفًا بالصلبان بل بالمحبّة"، تذكّر بتجربة الوهن (وقد وردت هذه في صلاة التوبة عند القدّيس اسحق السرياني في المقدّمة بعد البطالة) التي نسقط فيها غالبًا أمام ضخامة واجبنا نحن كمسيحيّين وتجاه صعوبة المسؤوليّة الملقاة على عاتقنا فتغرقنا في جشع لا ينفكّ يزداد طلبًا لملذّات العالم وتنسينا ثقتنا بقدرة الله المحرّك الحقيقيّ لعملية التجدّد والذي يدعونا دونما انقطاع إلى المشاركة في هذه العمليّة.
والحالة هذه على الزارع أن يزرع لا أن يعرف زمان الحصاد وأهمّيّته ولكن ينبغي عليه أن يعيش على اليقين والرجاء بأنّ إله الحصاد قد قام من بين الأموات وأنّه ينبوع القيامة الأزليّ. المستقبل ثمرة أينعها روح التزامنا اليوم بالأمانة واضعين ثقتنا في الذي غلب العالم.
الإيمان الحقيقيّ ليس ذاك الذي نتكلّم عنه ونفتخر به بل هو الذي يعمل من الداخل في ثقة، لامتناهية، بحكمة الله وفي دعوة إلى أن نصبح "بلهاء" في نظر العالم. هذا الإيمان لا يزال باستطاعته "نقل الجبال" لأنّ العجائب هي في متناول الإنسان المسيحيّ وعلى قدره، هذا الإنسان الذي يحمل المسيح في قلبه.
في هذه الحال، على ما أعتقد، يلزمنا أن نعترف بأنّنا نفتقر إلى هذا الإيمان وأنّ بعض كلمات من الإنجيل مثل "أطلبوا ملكوت الله وبرّه وهذه كلّها تُزاد لكم" و"لا تهتمّوا بشيء" وأخرى غيرها تدعونا إلى الخروج من قوقعة ذواتنا ومن كفايتنا ومن عليائنا، من الأمان المضطرب الذي يوفّره لنا المال، من التسلّط والاستبداد في حدود المنطق والعقل. ولا تنقطع النداءات التي تحثّنا على التجرّد من كلّ شيء حتى نتبع يسوع. وعلينا أن نقرّ بأنّ كلمات الإنجيل هذه تبدو لنا أحيانًا على شيء من المغالاة والمزايدة الشفويّة لوصايا مخالفة للطبيعة لأنّنا ننسى أنّ الطبيعة الحقّة وأنّ المقاييس الصحيحة لا تعود، بعد القيامة، تتناسب وطبيعتنا المهشّمة الممزّقة ولكنّها تتطابق مع الإله – الإنسان الذي تقبّل هذه الطبيعة وأجلسها على كرسي المجد عن يمين الآب.
الفتور في كنائسنا
الجملة الثانية، وهي التي قالها الأسقف الشيخ، تعيد إلى أذهاننا الفتور الذي لا ينفكّ يهاجم كنيستنا وتذكّرنا بالضرورة التي تدعو أعضاء شعب الله وبشكل خاصّ الشباب منهم إلى اعتبار أنفسهم مسؤولين عن هذا الخمول وتحثّهم على الانكباب على عمليّة التجدّد. وهذا يفترض التخلّي عن دور المتفرّج المتّهِم، وما أكثره في أوساطنا الأرثوذكسيّة، ذاك الذي يهاجم بانتقاداته الجميع سواء أكانوا كهنة أم علمانيّين، للوصول إلى مرحلة الاتحاد بالجماعة والترفّع عن الفرديّة والأنانيّة.
ولكن لماذا الإصرار على الشباب ضمن شعب الله ونحن نعلم أنّه أمام السيّد لا شباب ولا شيوخ؟ قبل كلّ شيء لأنّهم حتمًا أعضاء في شعب الله وأنّنا غالبًا لا نحملهم على محمل الجدّ وهذا يؤدّي إلى خلل في الرؤية والعمل الرعائيَّين وقد اعْتُبر هذان وقفًا على الراشدين والبالغين. وفي هذه الحالة، ومع اعترافنا أنّ دور البالغين، إذا كانوا مؤمنين، يكمن في المحافظة على التقليد الحيّ الذي سُلِّم إليهم وفي إغنائه بخبرة القدّيسين التي يبعثها الله بينهم في نهاية حياة قُضيت في خدمته، لكن لا بدّ مع ذلك من الإشارة إلى أنّهم يميلون أحيانًا كثيرة إلى التعلّق بالوضع القائم فيؤدّي بهم الحذر إلى عدم القدرة على التمييز بين كلّ العناصر التي يتكوّن منها هذا التقليد الذي يحاولون المحافظة عليه بحقّ، حتّى يتمكّنوا في النهاية من تشذيب أغصانه اليابسة. بالمقابل، الشباب يميلون بطبعهم إلى إعادة البحث في كلّ ما يُعرَض عليهم. ولأجل هذا أحد أدوار الشباب في الكنيسة، في حال أرادوا الانخراط في اللعبة أي الانطلاق بحماسهم المعهود في مغامرة القداسة، يكمن في طرح الأسئلة على الكنيسة واستجوابها و"إزعاجها" مع تذكيرها في أي وقت بالأخطار المحدقة بها، وفي التزامهم المتواضع بخدمة الكنيسة ومساعدتها على استعادة شبابها الأزليّ.
بالإضافة إلى ذلك، الشباب يحملون في أجسادهم عذاب العالم وألمه وقلقه ويدركون كيف يتحوّل ويتطوّر ضمن أشكال جديدة. إذًا يعود إليهم اختبار اللغة والخطوات الجديدة واقتراحها وعلى الكنيسة اعتمادها ليفهمها عالم اليوم بشكل صحيح. وفي هذا، الشباب وسيط في الكنيسة. لكن هذا لا يعني بالنسبة إليهم أن يكونوا محطًّا للأنظار أو مميَّزين عن غيرهم بل عليهم أن يقبعوا في عمق أعماق العالم وأن يتبعوا الحقيقة التي تدعوهم رغم كل العقبات. وظيفتهم في الكنيسة هي أن يكونوا، من دون خجل أو وجل "لا يستخفّنّ أحد بشبابك" (1 تيمو 4: 12)، صدى هذه الدعوات الحقيقيّة حتّى تستعيد الكنيسة ذاتها وتستبدل البلادة التي حملها التقليد الحيّ خلال رحلتها الأرضيّة بالذهب المتواضع الذي يضعه الروح بين يدَيّ كلّ جيل جديد حين يمتلئ هذا من الروح.
ماذا يُنتظَر منّا؟
الجملة الثالثة أيّ الرؤية الأرثوذكسيّة جذّابة ولكن كيف تُعاش وأين؟ تذكّرنا أنّنا، أحيانًا، كأرثوذكس نميل إلى "صنع" اللاهوت "الجميل" بدلاً من أن نسعى إلى عيش هذا اللاهوت.
هذا بالطبع يفرض مشكلة المسؤوليّات الضخمة والتي تُلقى علينا لنترجم بلغة سهلة كنوز الكنيسة الأولى التي اؤتمنّا عليها من دون جدارة. ولكن يبدو لي أنّ العالم يحتاج اليوم أكثر من أي وقت إلى مسيحيّين يكونون شهودًا أحياء. إلى "لاهوتيّين على غرار الصيّادين – الرسل" (القدّيس غريغوريوس النيصصيّ) أكثر منه إلى أساتذة لتاريخ الأديان أو لعلم الآثار اللاهوتيّ. العالم بحاجة إلى أن يسمع عبارة "تعالَ وانظر". هذا يعني أنّه علينا أن نختبر أقوالنا اللاهوتيّة هنا والآن في واقع رعايانا المعاش، بتواضع ومن دون افتخار، في انفتاح دؤوب لنفحات يجعلنا الروح، إذا بقينا متيقّظين، نلتقطها وننقلها كلمات معاشة.
دعوتنا: بعض المنطلقات
في هذا المضمار أتجرّأ وأقتراح بعض المنطلقات القديمة التي تبدو لي أنّها ما تزال جديرة بتوجيه شهادتنا الحاضرة وفي المستقبل.
نحن نشهد للقيامة ليس بالكلام فقط بل أن نصير قياميّين إلى درجة تبطل فيها القيامة بالنسبة إلى الآخرين كفرضيّة جدليّة أو مسلّمة إيمانيّة وتصبح حقيقيّة جليّة. ويفترض فينا أن نغدو مشعّين وحاضرين لمشاطرة الناس همومهم من دون خجل أو خوف أو تخاذل وذلك في خدمة وشهادة. هذا يعني أيضًا أنّه علينا، بدل أن نعتبر التيبيكون صنمًا نتعبّد له، أن نتعبّد فعلاً لمن وُجِدَ التيبيكون لتسبيحه ونسترجع معنى الليتورجيا الأصيل ونصبح أناسًا ذوي وجه وبسمة ليتورجيّة أي أناسًا دائمي التسبيح والشهادة والدعوة في آن.
المسيح لم يدعنا إلى أمر سهل. ومع ذلك فإنّ "نيره هيّن" وهو لم يبخل يومًا بالمعزّي الذي اقتناؤه هو هدف حياتنا وهو الذي يمنحنا هذا "السلام الداخليّ" الذي يخلّص الكثيرين من حولنا وذلك على حسب قول القدّيس ساروفيم ساروفسكي.
بهذه الذهنيّة علينا أن نخرج من أبراجنا العاجيّة التي نشيّدها بسرعة حولنا على ما يوافق كسلنا وخوفنا ومصالحنا ومساوماتنا ويُفرض فينا ألّا نكتفي بمثال الاستقامة الذي يمكننا إعطاؤه في عملنا وتصرّفنا اليوميّ بل أن "نتورّط" في أعمال ملموسة ضدّ الفقر والعنف والظلم. وفي هذا السياق ولنتذكّر هذه الضرورة لم أجد كلمات أكثر إقناعًا من تلك التي أطلقتها منذ سنوات الهيئة الأرثوذكسيّة المشتركة التحضيريّة للمجمع المسكوني الموسّع.
"نحن المسيحيّن وبما أنّنا ولجنا معنى الخلاص من واجبنا أن نقاوم لنخفّف المرض والحزن والقلق. لأنّنا اختبرنا السلام لا يسعنا أن نبقى متفرّجين لامبالين تجاه غياب السلام في المجتمع الحاليّ. لأنّنا أيضًا استفدنا من برّ الله نكافح في سبيل عدالة أكثر انتشارًا في العالم وبقصد محو الجور والتعسّف. ولأنّنا نختبر يوميًّا التسامح الإلهيّ نقاوم ضد التعصّب والتزمّت بين الناس. ولأنّنا نعلن باستمرار تجسّد الإله وتألّه الإنسان نحن ندافع عن حقوق الإنسان بالنسبة إلى كلّ الناس من دون تمييز وإلى كلّ الشعوب. ولأنّنا حصلنا على الحرّيّة كهبة إلهيّة بفضل عمل المسيح الفدائيّ نستطيع أن نعلن بطريقة وافية قيمة الحريّة الشاملة لكلّ إنسان ولكلّ شعب. ولأنّنا نتغذّى روحيًّا بجسد السيّد ودمه نفهم بشكل أفضل الجوع والحرمان. ولأنّنا ننتظر أرضًا جديدة وسماوات حديثة حيث تسود العدالة المطلقة نناضل هنا والآن في سبيل نهضة الإنسان والمجتمع وبقصد تجدّدهما".
لا أستطيع أن أضيف شيئًا إلى هذا النصّ المنير الرائع إلّا أن أرجو أن يلقى آذانًا صاغية وأن تعود حركة الشبيبة الأرثوذكسيّة منجم رجال مستعدّين دومًا إلى إيجاد، مع الآخرين وحسب كلّ حالة، السبل الخلّاقة والعمليّة بقصد تفعيل محبّة الناس التي قصد هذا النصّ بعثها.
الخاتمة:
لم يتغيّر شيء إذًا، فالمشاكل والقضايا الملحّة والتساؤلات هي هي. وإذا ما شعرنا أنّنا في مأزق وأنّنا جُرحنا وتأثّرنا وتقلّصت ثقتنا ومحبّتنا وخُذلت آمالنا بسبب الانتقادات والتلميحات الجائرة، والتي لا مبرّر لها، التي وُجِّهَت إلى حركة الشبيبة الأرثوذكسيّة لنتذكّر أنّ المسيح هو أيضًا أحسّ أنّه متروك. ولكن لنتذكّر نحن أيضًا أنّه لا يتركنا قطّ وأنّ ذراعيه ممدودتان أبدًا في انتظارنا حتّى إذا ما أردنا نحن يغمرنا إلى قلبه ولنتذكّر كذلك أنّه في الكتاب المقدّس وفي كلّ مرّة خُيِّل إلينا أنّ كلّ شيء قد ضاع وُجدت بقيّة أمينة سمحت بتحليقات جديدة. هذه البقيّة موجودة وأراها في بعض أساقفتنا شيوخًا وشبابًا وفي هذا العدد المتزايد من الرهبان والكهنة الذين يعطون أنفسهم من دون حساب وفي هؤلاء العلمانيّين الذين يمضون الليالي في الصلاة والشهادة وفي تمتمات حركة الشبيبة الأرثوذكسيّة التي وسط هذه التساؤلات الكبيرة ومن جرحها تعكس متواضعة هنا وهناك التماع الروح. هذه البقيّة تعمل كالخميرة في العجين، كالحافز، تمامًا "كحبّة الخردل" التي يتكلّم عنها الإنجيل.
إذا أراد الله، ونحن نعلم أنّه يريد وإذا ثابرنا نحن ستستمرّ شجرة الكنيسة الأنطاكيّة بالتجدّد والنهضة. ما يلزمنا إذًا هو العزم والتصميم وألّا نصمّ آذاننا عن أنّات الروح. لا نقسّيَنَّ قلوبنا فتنبعث منها ينابيع ماء حيّة. لقد أُعطي لنا أن نعي في كلّ لحظة أنّه بقداسة حياتنا لا نعمل أكثر على تجديد كنيستنا فحسب بل نسرّع مجيء الملكوت (2 بط 3: 12). "تعالَ أيّها الربّ يسوع، تعال... لأنّه يا ربّ إلى من نذهب وكلام الحياة الأبديّة عندك وحدك؟" (يو 6: 68).
- الحصول على الرابط
- X
- بريد إلكتروني
- التطبيقات الأخرى