الأب الياس مرقص في ذكراه
ريمون رزق – 22 شباط 2025
مرسيل مرقص الشاب
كلّما تعود بي الذاكرة إلى تلك الأيّام المباركة التي اهتديتُ فيها إلى الكنيسة، من خلال حركة الشبيبة الأرثوذكسيّة، أرى الأبَ إلياس مرقص شديدَ الارتباط بمسيرة حياتي في المسيح.
عرفتُ الأبَ إلياس شخصيًّا في أواخر سنة 1956، عندما أتى مرسيل مرقص مع بعض الإخوة إلى دير مار جاورجيوس في دير الحرف للترهّب. لكن كنتُ قد عرفته قبل ذلك في ما كتب جبرائيل سعاده، أحد مؤسّسي الحركة من اللاذقيّة، عن الرسالة التي تلقّاها منه، في 15 تمّوز 1941، التي تدعو إلى إنشاء «حركة النهضة (التقويم؟) الأرثوذكسيّة» (Mouvement de Renaissance Orthodoxe)، والتي جاء فيها: «لستُ أدري ما إذا كنتُ قد حدّثتك عن حركة التقويم الأرثوذكسيّ التي يجب أن نؤسّسها، وهي حركة أخلاقيّة، حركة فكريّة من هذه الأفكار التي تقود العالم... نحن مدعوّون إلى تقويم هذا الشعب الذي يحسب نفسه قويمًا... نحن نريد أن نقوّم الأمّة الأرثوذكسيّة بإنجيل يسوع المسيح وبحبّه وطاعته، لأنّنا نريد شعبنا كنيسةً متلألئةً بالروح، ملتهبةً بالحبّ الإلهيّ، عاشقةً الذي أعلن عشقه لها لمّا سُمِّر على الخشبة».
تزامنت رسالة مرسيل مرقص مع رسالةٍ أخرى أُرسلت بعد ثلاثة أيّام من جورج خضر إلى ألبير لحّام، يقول فيها: «كيف نستطيع أن نعيد إلى الأرثوذكسيّة نفحةَ الروح إن لم يكن بتأسيس حركة أرثوذكسيّة؟ إنّ هذا يتطلّب عملًا جماعيًّا وليس عملًا فرديًّا. يجب أن نبعث الشعور الروحيّ بين أبناء ديننا، ولهذه الغاية لا ينفع سوى تيّار حيويّ فعّال. تنتظرنا أعمال كبيرة، والمستقبل لنا لأنّ يسوع معنا».
لا يمكن اعتبار ازدواجيّة الرسالتين وتزامنهما صدفةً، بل إطلالةً من الروح القدس الذي ألهم مرسيل مرقص وجورج خضر أن يدعوا في الوقت نفسه إلى إنشاء حركة أرثوذكسيّة لإخراج كنيسة أنطاكيّة من سباتها الطويل. يقول خضر: «تنتظرها أعمال كبيرة»، وتقودها أفكار «من الأفكار التي تقود العالم» بكلمات مرقص. ويُرجع كلاهما نجاح هذه الحركة إلى التصاقها بيسوع («يسوع معنا»)، و«تلألؤها بالروح والتهابها بالحبّ الإلهيّ».
وكنتُ قد علمتُ من بعض الإخوة في اللاذقيّة، وخاصّةً من «بيتي سعاده»، التي كانت مرارًا رئيسةَ مركز الحركة فيها، أنّ مرسيل مرقص درس المحاماة ولم يمارسها طويلًا، بل انخرط في الإدارة العامّة في محافظة اللاذقيّة، وتسلّق درجاتها إلى أن أصبح قائمقام محافظة اللاذقيّة. وكان رئيسًا لمركز الحركة في اللاذقيّة، وترأّس مرارًا الإرشاد وإعداد المرشدين. وكان يمضي معظم وقته واعظًا ومرشدًا الشبابَ والشابّات إلى وجه يسوع. تقول «بيتي»، التي كانت عضوًا في إحدى الفرق التي كان يرشدها: «كان يركّز على الصلاة والليتورجيا والرياضات الروحيّة، وكان منفتحًا على الثقافة، وقد أعطانا أيضًا معلومات فلسفيّة كثيرة».
مرسيل مرقص مؤسّس الحركة
كنتُ في شغفي لمعرفة خطوات المؤسّسين الأولى قد انكببتُ على قراءة الأعداد الأولى من مجلّة النور (على الستنسيل)، ووجدتُ فيها مقالات للمؤسّسين. أذكر مقالًا كتبه مرسيل مرقص في آذار 1945 بعنوان «مَن نحن؟». يتكلّم فيه على الانحطاط الذي يُبعد الناس عن الحياة المسيحيّة الحقّة، لأنّه يعتبر «الديانة كعادات قديمة شكليّة، ويواجه المشاكل الطائفيّة كمشاكل إداريّة... لا كمشاكل كنسيّة». ويتابع: «أمّا نحن، فعندما أدركنا ذلك الانحطاط... توقّفنا عند الداء الخفيّ، (واخترنا) طريق العمل الداخليّ الصامت... طريق الازدهار الشخصيّ الروحيّ... الذي لا يعتبر الطائفة كتلةً بل كرمةً زرعتها يمين الربّ... تنمو... بسياقة روح الربّ... ليست حركتنا كنيسةً ضمن الكنيسة، إنّها جزء متمّم للكنيسة»[1].
واستوقفني مقالٌ آخر له كُتب سنة 1946 تحت عنوان: «هل يأتي يومٌ لا تعود الكنيسة بحاجة إلى الحركة؟». يقول فيه إنّه إذا «كافحت الحركة تجربة الانزلاق من “الحدث” إلى “المؤسّسة”، التي ما زالت كامنة في أوساط الكنيسة، لأنّ “الكنيسة أساسًا وجوهرًا هي حدث وليست مؤسّسة، ولأنّ الحركة انطلقت من قلب الكنيسة الحدث لا المؤسّسة”... فدور الحركة في الكنيسة كان ولا يزال، وينبغي أن يبقى، تحريك جدّة الروح وتثبيته في كلّ مجالات حياة الكنيسة... إنّ استمرار الحركة على إيمانها وأصالتها يتطلّب مزيدًا من التوغّل في حياة الكنيسة، وذلك لا كمؤسّسة بل كحدث. هذا، وإن لم تُعطِ الحركة مزيدًا من المكرّسين والملتزمين “حياتيًّا” في الكنيسة، عتِقت وبطلت أن تكون حدثًا».
ولم يزل الأب إلياس طيلة حياته على الاعتقاد بدور الشباب في النهضة الكنسيّة. وفي أواخر حياته قال للحركيّين: «نصيحتي للحركيّين أن يتّجهوا أكثر فأكثر إلى الداخل. إنّنا، في الواقع، غالبًا ما نحيا حياتنا في الخارج، خارج “القلب الخفيّ”. إنّه داء “الخارجانيّة” الذي يُرضي الإنسان الخارجيّ، ويعيق الإثمار الروحيّ الحقيقيّ، ويبقينا في الوهم...».
دير الحرف
شكّل دير القدّيس جاورجيوس في دير الحرف، بالنسبة إلى جيلنا الشابّ، منارةً دعتنا إلى الالتزام بسبيل الربّ وأخوّته، ودليلًا أكيدًا على أنّ كلّ شيء بات ممكنًا إن أخذنا كلام المسيح على محمل الجدّ وأعطيناه قلبنا، على غرار هؤلاء الإخوة الذين أرادوا إعادة إحياء الحياة الرهبانيّة في كنيسة أنطاكية، أُعطيت لنا نعمة مرافقة أوّلَى خطوات هذه الأخويّة الناشئة. كم من لقاءاتٍ واجتماعاتٍ وسهراتٍ أقمنا في هذا المكان! وكان الأب إلياس محورَ غالبيّتها. رغم أعبائه الكبيرة في إطلاق الحياة الرهبانيّة، كان دائمًا مستعدًّا للعطاء بدون حساب في خدمة الشباب. وأعطانا كلُّ واحدٍ ممّن التحقوا بالدير مع مرسيل مرقص من موهبته: يوحنّا منصور (مثلّث الرحمات، مطران اللاذقيّة لاحقًا) الهمَّ الرعائيّ، والأخ أغابيوس الطيبةَ والتواضع، والأب الأنطون الصرامةَ النسكيّة. كم من القامات الروحيّة التقينا بها في زيارتنا للدير، لا مجال لذكر جميعها، لكن كيف لا أذكر القدّيس الأب صوفيان (+2002)، كاتب الأيقونات و«رسول بوخارست»، كما كان يُدعى في بلاده، الذي كتب جداريّات كنيسة الدير، والذي كان منظره شبيهًا بوجوه أيقوناته. وكان قد أمضى سنواتٍ في مخيّمات الموت السوفياتيّة، ويقول إنّه أحبّ السجن واعتبره نعمةً وبركةً، لأنّ لا شيء كان يلهيه عن الصلاة والعيش مع الله. ولا بدّ من ذكر الأب أندريه سكريما (+2000)، الذي كنّا نمضي ساعاتٍ مستمعين إلى كلامه الناتج عن ثقافته الموسوعيّة وروحانيّاتٍ هدوئيّة. كان قد اختار أن يعيش خارج رومانيا مدّة ثلاثين سنة، مطلقًا نوعًا جديدًا من الرهبنة يمكن وصفه بالرهبنة في العالم والصحراء في المدينة.
الأب إلياس المعلّم
وكان دومًا حاضرًا في مؤتمراتنا وحلقاتنا التدريبيّة. وكان، مع قلّةٍ من مؤسّسي الحركة، الأب جورج خضر وكوستي بندلي، ممّن فتحوا لنا أبواب الكنيسة، وجعلونا ندخل في علاقة عشقٍ مع ربّها.
وكان من أبرز المتكلّمين في المؤتمرات الحركيّة. تمثّل الكتب الثلاثة: أصول الحياة الروحيّة، ومدخل إلى الكتاب المقدّس، ومن أجل فهم الليتورجيا وعيشها، بعضَ المحاضرات والدروس التي كان يلقيها. وكان يجول المدى الأنطاكيّ لمتابعة إرشاده الشبابَ حيث يعيشون.
وكان أوّل مَن وضع في متناول أيدينا ترجماتٍ عربيّة لكبار الآباء الروحيّين، من آباء شيوخ الصحراء، ومرقس الناسك، وأيفاغريوس البنطيّ، إلى يوحنّا السلّميّ، فغريغوريوس بالاماس، وسمعان اللاهوتيّ الجديد.
الأب إلياس المُعرِّف
وما زلتُ أراه يستمع حتّى ساعةٍ متأخّرة من الليل إلى اعترافات الشباب المنتظرين دورهم في طابورٍ طويل. كان يستمع طويلًا ويُبدي الإرشاد بعباراتٍ قليلة.
كان الأب إلياس مثالًا للأب الروحيّ الحقيقيّ، يسلّط نور الكلمة الإلهيّة ويختفي وراءها، يفتح الأبواب لهبوب الروح، تاركًا للمعترِف أن يتّخذ هو القرار، في حرّيّته كابنٍ لله. كلام الأب إلياس في الاعتراف كان واقعيًّا وناتجًا عن خبرةٍ عميقة بالنفس البشريّة، واضعًا اليد في عمق الجرح، وساعيًا إلى مداواته بتسليط النور الإنجيليّ عليه، بعيدًا عن «الراشيتّات» الجاهزة والقمعيّة، التي غالبًا ما يُواجَه بها الشباب في أيّامنا هذه.
علّمنا أن نكون واعين كلَّ الوعي لخطايانا، ولكن أقوياء بالمسيح إذا سلّمناه حياتنا. كان يشدّد دومًا على ضرورة التوبة الدائمة، ويدعونا إلى البكاء على خطايانا ولكن بدون يأس، بل في رجاء المسيح القائم من بين الأموات، الذي يبكي معنا وهو مستعدٌّ أن يغفر خطايانا إذا رغبنا بذلك. وكان يدعونا ألّا نخاف من التجربة، بل نستند إلى قول الربّ صارخين: «اذهب أيّها الشيطان»، إذ من شأن التجربة أن تُرسِّخنا في الله[3]. وكان يقول: «اسجُد كخاطئ، وقُم من السجدة كمشمولٍ برحمة الله»[4].
الأب إلياس وسرّ الدموع
كذلك كان أوّل مَن جعلنا نعي أنّ العماد الثاني ممكن بواسطة سرّ الدموع، بترجمته كتاب ميرّا لوت بورودين الشهير سرّ الدموع في الشرق المسيحيّ، الذي شجّعنا على اختباره، بترداده القول الآبائيّ: «لن يُحاسبنا الله على المعجزات التي حقّقناها، بل على الدموع التي ذرفناها»، مضيفًا: «أو لم نذرفها»[5]. في كلامه على الدموع كان يذكّر بما قاله عنها عددٌ من الآباء، وخاصّة القدّيس سمعان اللاهوتيّ الجديد الذي اعتبر أنّ الدموع «تطهّر النفس عقليًّا من وسخ خطاياها، والتي تسقط على الأرض تحرق الشياطين وتسحقهم وتحرّر النفس من رباطات الخطيئة غير المنظورة، وتفتح السماء وتعطي تعزيةً إلهيّة»[6]. وأيضًا، متوجّهًا إلى الله وقائلًا: «هب لي دموع التوبة، دموع الندامة، دموع الخلاص، دموعًا تُبيد ظلمات ذهني، وتجعلني أتلألأ بشعاعٍ من العُلى، أنا الذي يرغب في رؤيتك، أنت نور العالم»[7].
الأب إلياس واحدٌ من آباء الكنيسة
بهذا كلّه وصلنا الأب إلياس بتراث كنيستنا النسكيّ والصلاتيّ الأصيل، وأدخلنا إلى «الليتورجيا التي وراء الطقوس التي تحتوي على كلّ تدبير الله»، وجعلنا نتذوّق السماء على الأرض، وندرك أنّ الصلاة هي فنّ الفنون، وأنّ اللاهوت الحقيقيّ يكمن فيها. بها يصير كلّ شيء ممكنًا، إذ تفتح طريق الملكوت وتقرّبنا من العرش الإلهيّ. كان يقول لنا باستمرار: «لا تخافوا. قرّروا فقط أن تعطوا قلبكم ليسوع، فيعطيكم روحه». تعليقاته المنيرة على مقاطع من الكتاب المقدّس هي كمٌّ من الحياة التي كان ينثرها فيما بيننا[8]. وكلّما تقدّم الأب إلياس في مسيرته الروحيّة، كلّما اختُصِرت الكلمات واكتفى بأقوالٍ شبيهةٍ بأقوال آباء شيوخ الصحراء، يتداخل فيها تحليلٌ عميق للحقيقة البشريّة وأهوائها، وخبرةٌ عمليّة للنضال من أجل كبح هذه الأهواء. كلّ ذلك يجعل من هذه النصوص خلاصةً حقيقيّة لفكر الكتاب المقدّس ولتعليم آباء الصحراء والآباء الهدوئيّين، جاء التعبير عنهما بلغةٍ يفهمها الجميع. وبشبهها الكبير لأقوال الآباء الأوائل، شيوخ الصحراء، تضعه كلماته القصيرة في مقامهم.
الأب إلياس متبالِهٌ من أجل المسيح
كان بشوشًا يحبّ النكتة، ومن خلال استعماله الكثير للمزاح – وغالبًا على حساب نفسه – كان يريد أن يُخفي قامته الروحيّة الساميّة. أليس يكشف هذا التصرّف أنّه كان «متبالِهًا في المسيح»؟ إضافةً إلى ذلك، كان يقول لنا بتصرّفه: «لا تأخذوا أنفسكم على محمل الجدّ أكثر من اللازم. دعوا يسوع يقودكم حيث يشاء. كفّوا عن مقاومته. ثقوا به، و«كلّ شيء يُعطى لكم ويُزاد»».
الأب إلياس والمشاهدة الإلهيّة
بتواضعه وجهوزيّته المستمرّة للشهادة، نقل لنا حرارة لقائه مع السيّد و«فتات» خبرة التصاقه بالحياة النابعة منه. نقتبس من كتاباته بعض الكلمات التي تشير إلى لقاءٍ صميميّ مع الربّ و«حضور الله وغيابه»[9]، اللذين طالما استعملهما الآباء الروحيّون لوصف حالة المشاهدة. نسمع الأب إلياس يقول: «عندما نختبر حضرة الله بنعمته تعالى، تكون خبرةً موضوعيّة خارجنا وفينا أيضًا»[10]، و«إنّ كلمة الله تغيب أحيانًا لتعود وتنفجر بأكثر بهاءً وقوّة»[11]، و«حين نطلبه بحنين، يحضر الله في غيابه»[12]، و«إن لم نرَ ملكوت الله في هذه الحياة فلن نراه في الآخرة»[13]، و«يزورنا الله وينيرنا، جاعلًا إيّانا مستحقّين لنستنير ونتذوّق حلاوةً ونورًا وسلامًا لا يمكن وصفها»[14]، و«بالصلاة الدائمة أؤمِّن حضور الله معي»[15]، و«نختبر أنّه لا يوجد حاجزٌ فينا يفصلنا عن الربّ ونعمته»[16]، و«يا حلاوة جمال الله ونعمة الإحساس به، يا ليت ذلك كلّ حين!»[17].
لا يخفى عنّا وجه التقارب الذي يوجد بين كلمات الأب إلياس وكلامٍ مماثلٍ لكبار الآباء الروحيّين، أمثال إسحق السرياني وسمعان اللاهوتيّ الجديد. فيقول الأوّل: «عندما يسلك الإنسان جيّدًا في طريق الحياة، تدركه نعمةٌ من فوق، فيتذوّق حلاوة معرفة الروح، ويستنير بمحبّته، ويبدأ بتذوّق حلاوة الله ولهيب محبّته المشتعلة في القلب»[18].
ويقول الثاني: «كم مرّة أهّلتني أن أرى نور وجهك بوضوح، ثمّ تطير فجأةً وتختفي دون أن تدعني أفهم مَن تكون، أو من أين أتيت وإلى أين تذهب؟ لكنّك، بتكرار مجيئك وذهابك، رويدًا رويدًا توضّحتَ لي أكثر»[19].
يمكننا الاستشهاد بأقوال آخرين، لكن يكفي ما ذكرناه للملاحظة أنّ القدّيسَين يستعملان العبارات التي استعملها الأب إلياس (الحلاوة، حضور الله وغيابه، الاستنارة...) لوصف حالة المشاهدة، مشيرَين بذلك إلى أنّه عاش الخبرة الإلهيّة التي أُعطي لهما أن يعيشاها.
قد رأيتُ دومًا في الأب إلياس إنسانًا يحاول بأسلوبه الخاصّ أن يردّد على مسامعنا أقوال القدّيس سمعان اللاهوتيّ الجديد: «لا تقولوا إنّ نيل الروح الإلهيّ أمرٌ مستحيل... لا تقولوا إنّ الله لا يكشف ذاته للإنسان... لا تقولوا إنّ الإنسان لا يستطيع معاينة النور الإلهيّ، وأنّ ذلك مستحيل في الأزمنة الحاليّة. على العكس، إنّه ممكن جدًّا، عندما نريد، لكن فقط للذين لطّفت الحياة أهواءهم ونقّت عيون ذهنهم»[20].
الأب إلياس الداعي الدائم إلى التمثّل بالمسيح
نستقي من اللآلئ المنثورة في كتاب خواطر في الكتاب المقدّس، الذي يبدو في ظاهره تفسيرًا لبعض آيات الكتاب العزيز، وهو بالحقيقة قصّة نفسٍ آمنت بالنور الإلهيّ، وفي حجّها إلى الله أضحت من أبناء النور، وفي كتاب آمنوا بالنور تصيروا أبناء النور.
كان يشدّد على التمثّل بالمسيح واكتساب روحه والعيش معه، مشيرًا إلى استعمال يسوع مرارًا عبارة «كما»[21]: «كونوا كاملين كما أبوكم السماويّ كامل»[22]، «كونوا قدّيسين كما أنا قدّوس»[23]. وكان يشمل في الآيتين الداعيتين إلى التشبّه بالله الآيةَ التالية: «أحبّوا بعضكم بعضًا كما أحببتكم أنا»[24]، مؤكّدًا بذلك أنّ حركةً واحدة تربطنا بالله وبالقريب، وأنّ التمثّل بالمسيح يقتضي أن نجده أيضًا في محبّة البشر وخدمتهم، إذ «كلّ ما فعلتموه بإخوتي هؤلاء الصغار فبي فعلتموه»[25].
وكان يقول إنّه «لا شروط في اتّباع المسيح، ولا ارتباط لا قبل ولا بعد، بل اتّباعٌ وحسب»[26]. إنّ اتّباعه بدون شروط يجعلنا نسير معه نحو الصليب والقيامة، «الصليب والقيامة معًا، ليس الفرح بعد الضيق والرفعة بعد الانسحاق، بل في الضيق والانسحاق: القيامة في الصليب»[27]. ويتابع أنّنا لسنا نمتلك «هويّةً خاصّة بنا، إذ إنّنا موجودون فقط في الله»[28].
أمّا الالتصاق بالمسيح وعيش حياته، فيفرضان علينا الخضوع الكلّي لله، إذ «شهادتنا للعالم هي شهادة خضوعنا لله»[29]، و«تقديم الذات قربانًا حيًّا مقدّسًا وذبيحة… وترك الطمع الروحيّ وانتظار فعل الربّ بصبر»[30]، و«مدّ النفس لبعيد، لأعلى، بالتأمّل، بالصبر، بالشجاعة، وبالشهامة[31]، وبالصلاة، وحفظ الوصايا، والجهاد في العمل، وبالمحبّة، وبتحويل السقطات إلى ظفر الرحمة»[32]. ويفترضان أيضًا محبّة الآخر وعدم إدانته، مع أنّ هذا العمل «هو صعب ومريح إذا طُبِّق… لكن عدم التمسّك بآرائنا وقبول الآخرين كما هم يجلبان الاستقرار والراحة»[33]. ويذكر الأب إلياس إفاغريوس في قوله إنّ الراهب «منفصل عن الجميع ومتّحد بالجميع»، ويطبّقه على جميع الناس، إذ علينا أن «نزهد ونحبّ في آنٍ واحد… لأنّ الحقيقة هي في جمع المتناقضات»[34]. وكان يرفض أن ينبذ ثقافات العالم، كما يفعل كثيرون، بل يذكر بعض روّادها، أمثال كيركغرد وفرويد وغيرهما، قائلًا إنّ «لا شيء يخصّ الإنسان غريب عنّي»، وطالبًا منّا العمل على تقديس الثقافة.
وكان يردّد لنا أنّ «المهمّ هو أن نصير ما دُعينا إليه، أي: “مخلوقات جديدة”، “أبناء النور”، لأنّ الربّ يسوع جاء ليغيّر الإنسان ويغيّره في العمق والكيان، ولكي يحلّ الإنسان الجديد محلّ العتيق لنصير أبناء النور، أبناء الله»[35]. وكان يدعونا أن «نعمل لخلاصنا» باستمرار، أن نتحرّك، أن «ننطلق»، أن «نخرج من أنفسنا» «لنتبع» المسيح ونذهب معه «مُعجَبين»[36] بجمال أعماله، إلى ملاقاة الآب. وذلك يتطلّب «الإحساس بالخطيئة بالعمق، واليقين برحمة الربّ التي لا حدّ لها، والشكر الدائم على كلّ شيء»[37]. يجب على كلّ عملٍ من أعمالنا أن يكون موهوبًا كفلسَيّ الأرملة، «فكلّ عمل نعمله، كلّ ابتسامة، كلّ صلاة، يجب أن يكون على غرار الفلسَين… (أي) “كلّ معيشتها”»[38]. لاحظوا كلامه عن «الابتسامة»، إنّه يذكّرنا أن نترجم خطانا وراء يسوع انفتاحًا وتواصلًا وحبًّا وخدمةً للآخرين، ولكلّ قريب يضعه السيّد في طريقنا، إذ هو يسكن فيه. وكان يذكّرنا بأنّ كلّ «خروج» من الذات نحو الله يُلزمنا «بالعودة» إلى الإنسان.
الأب إلياس والصلاة، وخاصّة صلاة اسم يسوع
وفي كلامه الكثير عن الصلاة، يصفها «بالتنفّس والاتّساع، والراحة والحياة…»، ويؤكّد أنّه «بدون صلاة نشعر كأنّنا نختنق»[39]. ويقول إنّ «لا معنى للصلاة غير الدائمة»[40]، التي «تعني التفكير الدائم بمَن نحبّ»، ويضيف: «كوننا لله نصنع مشيئته ونتمّم قصده ونرضيه ونمجّده… ونطلب العون والرحمة والأمان»[41]. ويقول: «لا يهمّ ما أكلّم الله به، المهمّ أنّي أكلّمه… كلّ حين»[42]. ويقول إنّنا نجد في صلاة اسم يسوع خلاصة الكتاب كلّه والتقليد وزبدتهما. بل إنّ الكتاب المكتوب يصبح عبئًا وحاجزًا بين النفس والربّ يسوع. في هذه الصلاة ينزل العقل إلى صمت القلب للقاء ربّ الوجود. الكلام من هذا العالم، أمّا كلمة الله الحيّ فتُعلَن في الصمت الأزليّ، فإذا طرحنا حقًّا كلّ اهتمامٍ آخر، هناك، في صميم قلبنا الصامت حيث صورة الله قائمة، يشرق علينا نور وجهه.
الأب إلياس والليتورجيا
كان أوّل من أعطانا المفاتيح لفهم الحياة الليتورجيّة وحياة الأسرار، وكيفيّة الغوص فيهما وعيش مداهما الحقيقيّ، إذ كان يقول: «إنّنا بالليتورجيا نُمنَح نعمة الربّ، شيئًا فشيئًا، ونتحوّل إلى الله بالمسيح». وفي كلامه على «العلاقة بين الإفخارستيّا ووحدة المؤمنين»[43] تتجلّى بوضوح محوريّة سرّ الشكر في المسيرة مع المسيح. ما من وحدة حقيقيّة بين البشر إلّا باندماجهم المشترك بالجسد الواحد، هو جسد المسيح، الذي يتحقّق خير تحقيق في الشركة الإفخارستيّة. ولكن، ليكون هذا الاندماج فعّالًا، يجب أن تسبقه وتليه طريقة عيشٍ مليئة بالتوبة والأخوّة والمشاركة. في الواقع، الوحدة التي نحن مدعوّون إليها ليست وحدة أخلاقيّة معنويّة أو نفسيّة، ولا حتّى وحدة وجوديّة، بل هي وحدة عضويّة، وحدة الجوهر الكيانيّة: وحدة في «جسد الله»[44]. ويذكّرنا الأب إلياس بأنّ هذه الوحدة لا يمكن إلّا أن تكون على صورة ومثال وحدة الثالوث القدّوس، «إذ إنّ شركة الجماعة مشاركة في تيّار الحبّ الذي في الثالوث»[45].
يذكّرنا الأب إلياس أنّنا مدعوّون إلى أن نصبح شهودًا عيانًا لكلّ الأحداث التي تستذكرها الليتورجيا. علينا أن ننتقل بالزمن والمدى للمشاركة بالحدث الخلاصيّ الوحيد. علينا أن نُولد مع المسيح ونموت معه، وإن كنّا مستحقّين، نشارك في قيامته. أمّا صلوات الساعات، فتجعلنا نقدّس الزمن، وعلينا ابتكار طريقة لتفعيلها في العالم… فالليتورجيا الأرضيّة هي مشاركة في الليتورجيا السماويّة، «غايتها الأخيرة أن تتمّ أيضًا فينا على صعيد القلب»[46]. فهي تعطينا «الوسيلة والمرقاة التي نبلغ بها شخصيًّا وقلبيًّا إلى معرفة الله ومحبّته والاتّحاد به»[47].
ولكن إلى جانب الجهد الشخصيّ لا بدّ من تقويمٍ في الممارسة الليتورجيّة. لا بدّ من نزع الغبار المتراكم بسبب خطايانا للوصول مجدّدًا إلى قلب الحياة الليتورجيّة. لذلك، لا بدّ من إعادة تقييم العادات المفقودة[48]. لا بدّ من «عيش» الليتورجيا بشكلٍ حقيقيّ، وإلّا انقلبت مظاهر فارغة وعادات متحجّرة تحجبنا عن الله بدل أن توصلنا إليه[49]. يقول الأب إلياس إنّها لمهمّة أساسيّة، لأنّ «العالم يحاول إزالة كلّ شيءٍ مقدّس، كلّ رمز، كلّ حسّ بالقدسيّة، لأنّه يحاول إزالة فكرة الله من الأرض. والروحانيّة الغربيّة العقلانيّة ساعدت بدون قصد في هذا الابتعاد عن الله. ونحن اليوم، حين لا نعيش واقع طقوسنا، نتأثّر بهذا التيّار العقلانيّ، فننزع إلى التقليل من قيمة الطقوس والقول بالصلاة المختصرة والمجرّدة، والاكتفاء بالصلاة الشخصيّة في البيت!… وهذه النزعة من شأنها، عاجلًا أم آجلًا، تحويل الله إلى إله أخلاق وحسب أو إله فكرة، وبالتالي إلى تفريغ الأرض من الله الحيّ، المعطى والمعاش»[50].
الأب إلياس والكتاب المقدّس
في دراسة حول «الكتاب المقدّس وحياتنا الشخصيّة» وضعها الأب إلياس[51]، يذكّرنا أنّ الآباء «لا يخشون المبالغة عند نعتهم الكتاب المقدّس بفردوس الحياة الأبديّة وينبوع الروح القدس وحقل الملكوت، ذلك لأنّه يحمل إلينا الله. إنّه رسالة من الله إلى خليقته. هو أيقونة الله. الكتاب هو المسيح»[52]. ثمّ يشير إلى مختلف مستويات قراءته بحسب تقدّم حياتنا الروحيّة، فمن القراءة التي تجعل النصّ مجرّد مدخل لاكتشاف الوجود «الحقيقيّ» لله فيه، يرشدنا إلى مراحل أخرى مختلفة لا بدّ أن نجتازها لنصل أخيرًا إلى لقاء «حقيقيّ» مع الكلمة يتعدّى النصوص والكلمات.
الأب إلياس ومحاربة الأهواء
وفي نصوصٍ عديدة وضعها الأب إلياس، نجد نصائح الأب الروحيّ ذي الخبرة واليقين لتحاشي العقبات التي تترصّدنا في مسيرتنا الهادفة إلى «الاندماج في المسيح». فكان يحدّثنا الأب إلياس مرّة بعد مرّة عن أسس «العفّة»[53]، و«الحياة الداخليّة»[54]، و«الالتزام في الكنيسة»[55]، و«اختيار» نمط العيش[56]، و«الجسد كهيكل للروح القدس»[57]، والعلاقات الحميمة بين «الخدمة والكيان»[58]، و«الصدق والاستقامة»[59]. ويقول لنا إنّ «عالم الأهواء هو وهم، وعالم الفضيلة حقيقيّ»[60]. ويعلّمنا أنّ «الحياة الروحيّة لا تُعلَّم، بل صلِّ فالصلاة تعلّمك أن تصلّي، اتعبْ تعرفْ نتيجة التعب»[61]. ويعلّمنا أيضًا «بارتباط كلّ شيء بحفظ الوصايا»[62].
الأب إلياس بين القدّيسين
منَّ الله علينا وعلى كنيسة أنطاكية بإنسانٍ مثل الأب إلياس. وهو الآن يتشفّع بنا، ويلهمنا مضاعفة السعي، لأنّ كنيسة أنطاكية تعود وتقع أحيانًا في سبات، وكان من الذين سعوا إلى إخراجها منه. فهل نحن مستعدّون لرفع التحدّي الذي أطلقه الأب إلياس؟ كنيسة أنطاكية بحاجة اليوم، أكثر من أيّ وقتٍ مضى، إلى أناسٍ يتبتّلون للربّ ولا يريدون أن يعرفوا سواه. همّهم الوحيد إرضاؤه وابتغاء وجهه. لا يفتّشون عن جاهٍ أو تقديرٍ أو شرف، إذ لا شرف لهم سوى شرف الخدمة وغسل أرجل الإخوة. بدون هذا السعي الدائم والدؤوب إلى الالتصاق بالربّ، والتخلّق بأخلاقه، واكتساب فكره، والتزام همّ التبشير بتعاليمه ونشر رسالته السارّة، لا قيمة لنا ولا حاجة إلينا. كثيرون هم المعلّمون، كثيرون هم المنظّرون، كثيرون هم الأسياد أو الذين يبتغون الوجاهة والسيادة. الكنيسة بحاجة إلى هؤلاء الصغار-الكبار مثل الأب إلياس، الذين قرّروا أن يتبعوا يسوع حيث يريد هو أن يأخذهم.
الله يعطينا أناسًا يتشبّهون بالأب إلياس ويتبتّلون لنهضة كنيسة أنطاكيّة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] مَن نحن؟، أنطاكية تتجدّد، منشورات النور، 1992، ص. 35-36.
[2] المرجع عينه، ص. 43-44.
[3] الياس مرقص، خواطر في الكتاب المقدّس، تع8اونيّة النور، 2005، ص. 13.
[4] خواطر في الكتاب المقدّس، 2005، ص. 323.
[5] المرجع عينه، ص. 215.
[6] سمعان اللاهوتي الجديد، عظة تعليميّة على الروح القدس.
[7] النشيد 4.
[8] خاصّة في نشرات دير الحرف وكتابي خواطر في الكتاب المقدّس وآمنوا بالنور تُصبحواغ أبناء النور، تعاونية النور الأرثوذكسيّة.
[9] خواطر في الكتاب المقدّس، ص. 335.
[10]الياس مرقص، خواطر في الكتاب المقدذس، تعاونيّة النور الأرثوذكسيّة، 2005، ص. 275.
[11] المرجع عينه، ص. 335.
[12] المرجع عينه، ص. 335.
[13] المرجع عينه، ص. 108.
[14] المرجع عينه.
[15] المرجع عينه، ص. 289.
[16] المرجع عينه، ص. 281.
[17] المرجع عينه.
أسحق السرياني، نسكيّات، المقالة 43 .[18]
[19] سمعان اللاهوتي الجديد، ابتهال شكريّ، 2.
[20] سمعان اللاهوتي الجديد، النشيد 27.
[21] خواطر في الكتاب المقدّس، المرجع عينه، ص. 14-15.
[22] متّى 5: 48.
[23] 1 بطرس 1: 16.
[24] يوحنّا 13: 34.
[25] متّى 25: 45.
[26] خواطر في الكتاب المقدّس، المرجع عينه، ص. 21.
[27] المرجع عينه، ص. 106.
[28] المرجع عينه، ص.302.
[29] المرجع عينه، ص. 305.
[30] المرجع عينه، ص. 306.
[31] كان يقول لنا: "كونوا رجالًا".
[32] المرجع عينه، ص. 307.
[33] المرجع عينه. ص. 280.
[34] المرجع عينه، ص.297.
[35] الياس مرقص، آمنوا بالنور تصيروا أبناء النور، تعاونيّة النور الأرثوذكسيّة، ص. 109.
[36] المرجع عينه، ص. 17.
[37] المرجع عينه، ص.13.
[38] المرجع عينه، ص. 10.
[39] خواطر في الكتاب المقدّس، المرجع عينه، ص.
[40] المرجع عينه، ص. 282.
[41] المرجع عينه، ص. 286
[42] المرجع عينه، ص. 289.
[43] آمنوا بالنور تصيروا أبناء النور، ص. 39-48.
[44] المرجع عينه، ص. 42.
[45] المرجع عينه، ص. 46.
[46] المرجع عينه، ص. 136.
[47] المرجع عينه، ص. 136.
[48] المرجع عينه، ص. 139-143.
[49] المرجع عينه، ص. 136.
[50] المرجع عينه، ص. 141-142.
[51] راجع آمنوا بالنور تصيرون أبناء النور، ص. 313-328.
[52] المرجع عينه، ص. 314.
[53] المرجع عينه، ص. 21-25، 107-108.
[54] المرجع عينه، ص. 27-28.
[55] المرجع عينه، ص. 49-62.
[56] المرجع عينه، ص. 63-
[57] المرجع عينه، ص. 69-83.
[58] المرجع عينه، ص. 85-102.
[59] المرجع عينه، ص. 103-106.
[60] خواطر في الكتاب المقدّس، المرجع عينه، ص. 313.
[61] المرجع عينه، ص. 317.
[62] المرجع عينه، ص. 323.