بيزنطية بعد بيزنطية 1
ريمون رزق
أُعطي لي مؤخرًا بنعمة من لدن الله أن أتجوّل لمدّة أسبوعين بين الأديرة الصربيّة والمقدونيّة في صربيا والجبل الأسود وكوسّوفو ومقدونيا. أقول "نعمة من الله" لأنّ هذه الرحلة قرّبتني منه تعالى، من خلال الجمالات التي شاهدت فيها، من كنائس وأيقونات وجداريات "تُنزّل حقًّا السماء على الأرض"، كما صرّح موفدو فلاديمير الروسي بعد اشتراكهم في الليتورجيا في آيا صوفيا في القسطنطينية. وقد فاقت كلّ شيء تصوّرته وترقبت رؤيته، وهي موازية، لا أحيانًا متفوقة، لما أنتج الفنّ الكنسي الأرثوذكسيّ من جمالات في العمارة والزينة الكنسيّتين، في أنحاء أخرى من العالم الأرثوذكسيّ، خاصّة في روسيا ورومانيا.
أردت إعطاء عنوانًا لهذه المقالات استعرته من كتاب[1] المؤرّخ الروماني ورجل الدولة نيقولا إيورغا (1871-1940)[2] الذي لا يزال مرجعًا في كلّ ما يتعلّق باستمراريّة المدنية البيزنطيّة بعد سقوط القسطنطينية سنة 1453 وعاصمتي الإمبراطورية اللاحقتين ميسترا وترِبيزوندا في سنة 1461. ومع أنّ إيورغا يبسّط في كتابه حول الإرث البيزنطي في رومانيا بخاصّة، فإنّه عنى بعنوانه كلّ بلاد أوروبا الشرقيّة، خاصّة الأرثوذكسية منها.
وقد شكّلت هذه البلدان، أيام بيزنطية، نوعًا من "الكومنولث" البيزنطيّ، شجّع الوحدة الثقافيّة والروحيّة والفنيّة بين البلدان التي تحوم في فلك بيزنطية، إذ بشّر مرسلون من الإمبراطورية الرومانية الشرقيّة معظم السلافيّين القاطنين بين دالماسيا (كرواتيا الحاليّة) والقوقاز. وكما يذكر جورج أوستروغورسكي، أحد كبار مؤرّخي الدولة البيزنطيّة، كان الدين المسيحيّ والثقافة اليونانيّة القديمة، مصحوبين بالتنظيم والقانون الرومانيّين، أسسوا الإمبراطورية البيزنطيّة، وقد سعت إلى نقلها إلى بلدان "الكومنولث". فأثّر ذلك عميقًا في هويّة شعوب هذه البلدان، خاصّة لدى سلافيّي الجنوب الذين شكّلوا سابقًا يوغوسلافيا. لم يزول الإرث البيزنطيّ هذا مع سقوط الإمبراطورية، بل ظلّ حيًّا وتطوّر على يد هذه الشعوب، كما تسنّى لنا مشاهدة بعضه.
لكن قبل التوقّف عند هذه الأعمال الفنّية، لا بدّ من ذكر بعض الميزات التي تجمع بينها في المجالين التاريخيّ والدينيّ والفنّيّ.
انتشار المسيحيّة في الحقبة البيزنطيّة وبعدها
ما عدا اليونانيّين، فإنّ هذه الشعوب جميعًا هي سلافيّة. والكنيسة البيزنطيّة هي مَن أدخلت إليها نور الإيمان المسيحيّ، أوّلًا على يد القدّيسين كيرلّس ومِثوديوس، المعادلين للرسل، المُرسلين إليها من قبل البطريرك القسطنطيني فوتيوس الكبير في أوائل القرن التاسع، ثمّ على أيدي تلاميذهما في القرنين العاشر والحادي عشر.
نمت المسيحيّة في صربيا (التي كانت تضمّ أيضًا الجبل الأسود ومقدونيا وبوسنيا وكرواتيا وغيرها)، وكانت تابعة للقسطنطينية كنسيًّا إلى أن أعلنت استقلالها الكنسيّ سنة 1219 على يد القدّيس سافاس (1174-1236)، وظلّت مستقلّة بإدارة رئيس أساقفة حتى سنة 1346 حيث تحوّلت إلى بطريركيّة (بطريركيّة بيتشّ) حتّى سنة 1463. ثمّ خسرت استقلالها حتّى سنة 1557، حين استعادته، واستمرّت حتى سنة 1766 حينما ألغته السلطات العثمانيّة، فاستعادته نهائيًّا سنة 1920.
فإنّ تلك البلدان نشأت أرثوذكسيًّا على يد بيزنطية، هذا إذا لم يدخلها الإنجيل في العهد الرسوليّ، لكنّها أنتجت أعظم ما أنتجته في مجال الفنّ الكنسي قبل سقوط القسطنطينية. فاكتسبت الصفة البيزنطيّة إذًا أثناء وجود بيزنطية، وليس بعد سقوطها، كما يوحيه عنوان إيورغا، لكنّها أضحت بعد هذا السقوط "بيزنطية بعد بيزنطيّة"، لأنّها استمرّت بعدها في الوجود ولا يزال يوجد فيها، أكثر بكثير من بيزنطية التاريخيّة، شواهد معماريّة وفنّيّة على المبادئ الروحيّة والثقافيّة والفنيّة التي أطلقتها بيزنطية.
المعاناة خلال الحقبة العثمانيّة
عانت جميع شعوب المنطقة من الاحتلال التركيّ، ابتداءً من منتصف القرن الرابع عشر (1354) حتّى أواخر القرن الثامن عشر أو أوائل القرن التاسع عشر (1912)، أي قرابة خمسة قرون ونيف. وسقطت الإمبراطورية الصربيّة بعد هزيمتها في معركة "بستان الشحارير" في كوسوفو سنة 1389، وضُمّت إلى الإمبراطورية العثمانية سنة 1459. وتلتها (أو سبقتها) باقي بلاد البلقان.
وقد مارس العثمانيون، خاصّة في القسم الأوّل من احتلالهم، معاملة قاسية جدًّا تجاه مسيحيّي البلدان المحتلّة، هادمين الكنائس أو محوّلينها إلى مساجد، وحاثّين الناس عبر مضايقات شتّى وضرائب على اعتناق الإسلام. وكانت الإمبراطورية العثمانية قد أطلقت اليد للدراويش وزوّدتهم بالمال من أجل أسلمة البلاد. يقول مؤرّخ بيزنطيّ، كتب في القسم الثاني من القرن الرابع عشر: "تعتنق الإسلام جماهير من المسيحيّين يوميًّا"، ما يؤكّده المؤرّخ العثماني شكر الله بن شهاب الدين، في القرن الخامس عشر، قائلاً: "حلّ المؤذّن محلّ الأجراس، و'الله أكبر' محلّ 'الكيري إلياسن'، ومحمد رسول الله محلّ المسيح".
تثبت الوقائع التاريخيّة أنّ قرى بأسرها اعتنقت الإسلام هربًا من الجزية أو سعيًا وراء المكاسب أو تحسينًا للمقام الاجتماعيّ. وهكذا أصبح فلاّحون مسيحيّون من الفقراء، من أبرز القوّاد العسكريّين والمدنيّين العثمانيين، بعد اعتناقهم الإسلام. ولا بدّ من الذكر أنّ بعضهم اعتنق الإسلام اقتناعًا، استنادًا إلى أنّ الله لا ينصر سوى الذين يرضاه، وأنّ سقوط البلدان المسيحيّة في يد المسلمين ليس سوى علامة على أن رضى الله انتقل من هؤلاء إلى أولئك.
نجح الدراويش في أسلمة سكّان البوسنة أوّلًا حيث كانت شائعة الشيعة البوغوموليّة المحاربة من قبل السلطات المسيحيّة. ثمّ امتدّت الأسلمة إلى بعض مناطق ألبانيا وبلغاريا واليونان وصربيا. تدلّ إحصائيّات أُجريت سنة 1520 أنّ نسبة المسلمين في بعض المدن قاربت السبعين بالمائة أو تجاوزتها (مثلاً في سكوبييه، عاصمة مقدونيا الحاليّة: 75%، وفي صوفيا، عاصمة بلغاريا: 66%). يفسّر هذا الواقع التاريخيّ أنّه يوجد في صربيا الحالية 15% من المسلمين، وفي ألبانيا 70%، وفي كوسوفو 90%، وفي البوسنة 46%، وفي بلغاريا نحو 13%، وفي اليونان نحو 5%.
وقد طبّق الأتراك في كلّ هذه البلاد نظام الملّة، وجعلوا البطريرك القسطنطينيّ "الملّة باشا"، المسؤول الأعلى الدينيّ والمدنيّ عن كلّ مسيحيّيها. وكان يخضع في معظم الأحيان البطاركة الذين اعتلوا السدّة في تلك الحقبة لإرادة السلاطين، الذين كانوا يغيّرونهم متى شاءوا. فخلال الاحتلال التركي، مات واحد وعشرون بطريركًا فقط من بين 159 الذين اعتلوا الكرسيّ البطريركيّ موتًا طبيعيًّا، وقُتل ستّة، واستقال 27 وخُلع 105.
أضف إلى ذلك أنّ جميع هؤلاء البطاركة اليونانيّين حكمًا قد شجّعوا الهيمنة اليونانية في البلاد الأخرى، ما جعل كنائسها تخضع في آن لميزاج السلطان العثمانيّ أو ممثّليه والنزعة الهلّينية لدى البطريرك المسكونيّ. سبّبت هذه النزعة إلغاء البطريركيّة الصربيّة سنة 1577، والوقوف ضدّ استقلال البطريركيّة البلغارية سنة 1870، واحتجاجات مختلفة ضدّ سياسات البطريركيّة المسكونيّة وممثّليها المحليّين.
اقتنع العثمانيون بعد موجة الأسلمة الأولى أنّه لا يمكنهم أسلمة السكّان بالقوّة، خاصّة أنّ غالبيتهم ظلّت مسيحية أرثوذكسيّة، فاكتفوا بإذلالهم والسماح لهم بإدارة شؤونهم الذاتيّة. فاتخذت الكنيسة الأرثوذكسيّة في ضمير الأوساط الشعبيّة المسيحية مكانة الممثّل والمدافع عنها تجاه السلطات والساهر على تلبية حاجاتها الدينيّة والروحيّة وحتّى مصالحها القوميّة. فامتزج عندها مفهوم القوميّة والوطنيّة بالدين، واعتُبرت الكنيسة الأرثوذكسيّة، بمجرّد وجودها وتأثيرها السياسيّ، الخطّ الدفاعيّ الأوّل، ليس فقط في الأمور الدينيّة بل أيضًا في المصالح القوميّة لشعوب البلقان الخاضعة للنير التركيّ، والجسم المحافظ على الحسّ الوطنيّ في وسط مجتمع مسلم غريب. وقد غزّى هذا الشعور الدور الطليعيّ الذي لعبته الكنيسة في تحرير هذه الشعوب من النير التركيّ. من هنا التماهي الحاليّ بين الانتماء الوطنيّ والأرثوذكسيّة في عدد من البلدان، الذي أفقد في كثير من الأحيان الكنيسة طابعها الروحيّ المحض ورسالتها الموجهة إلى كلّ الشعوب على مدى الكون، ما يجعل الناس يعتبرون أنفسهم أرثوذكسيّين، حتى إن لم يتعمّدوا، لمجرّد كونهم صربًا أو بلغارًا أو مقدونيّين.
ويلات الحقبة الشيوعيّة
لكن ما أن تحرّرت تلك البلاد من النير العثمانيّ، حتّى وقعت، بعد الحرب العالميّة الثانية، تحت نيرٍ أشدّ ضراوة، متمثّل بالأنظمة الشيوعيّة. ليس المجال هنا لوصف كلّ ما عانته الكنائس في تلك الحقبة من اضطهاد. قُتل الملايين بسبب إيمانهم، هُدمت أو أُغلقت آلاف الكنائس والأديرة، شُرّد الرهبان والراهبات، مُنع التعليم المسيحيّ وبُشّر بالإلحاد، وغير ذلك من المضايقات المختلفة. فأصبح امتلاك كتابٍ مقدّس واحد جريمة يُحكم عليها بالسجن وأحيانًا بالموت. ما عدا ألبانيا، حيث مُنعت كلّ المظاهر الدينيّة (المسيحيّة والإسلاميّة)، لم يُسمح للكنائس في باقي البلدان الشيوعيّة سوى إقامة الخَدَم الإلهيّة داخل ما بقي مفتوحًا من الكنائس. زُوّرت الكتب التاريخيّة لمحو كلّ إشارةٍ للمسيح، فترعرع جيلان كاملان يجهلان كلّيًّا مقوّمات الدين المسيحيّ، ولا يدينان بشيء سوى بالشعائر الوطنيّة وبقوميّاتهم. لا يحقّ لنا انتقاد موقف مسؤولي الكنائس في تلك الحقبة، الذي أيّد ظاهريًّا مواقف الدولة السياسيّة، ونفوا في الخارج حقيقة الاضطهاد الذي كان يصيبهم، إذ كانوا يعتقدون أنّ عليهم دفع هذا الثمن الباهظ حفاظًا على ما أُتيح لهم من حريّة العبادة الضيّقة. يُعتقد أنّ البطريرك فيكِنتيجي (1950-1958) قد مات مسمّمًا لأنّه ناهض علنيًّا سياسات تيتو تجاه الكنيسة. وقد سُجن كثير من الأساقفة. وخسرت الكنيسة نحو 20% من إكليروسها، و17 من أديرتها، و380 من كنائسها، إضافةً إلى 350 لحقت بها أضرار جسيمة، وكذلك 17 ديرًا آخر. كما خسرت كلّ مواردها جرّاء تأميم أملاكها. أتى كلّ ذلك إضافةً إلى المصائب التي حلّت بها على يد الفاشيّين الكروات "الأوستاشي" خلال الحرب العالميّة الثانية، حيث قُتل ما يقارب 700000 صربيّ. وقد شجّع النظام الشيوعيّ الكهنة أن يثوروا على الأساقفة، فتجمّع العديد منهم في "اتّحادات كهنوتيّة" تحالفت مع النظام وقاومت حرب الأساقفة ضدّ الإلحاد وسعيهم إلى إعادة إحياء الحياة الكنسيّة أمام أعداد الصرب المتزايدة في ترك الكنيسة والتوقّف عن ممارسة أسرارها، ابتدأً من المعموديّة. يُظهر إحصاء[3] أُجري سنة 1968 أنّ 55% من الصرب أعلنوا أنّهم غير مؤمنين، وأنّ هذه النسبة وصلت إلى 74% في مونتِنيغرو. وبيّنت إحصاءات أخرى في ستينات القرن ذاته أنّ 80% من طلاّب جامعة بلغراد أعلنوا إلحادهم، وأنّ ربع الأساتذة فقط كانوا لا يزالون على الإيمان.
لقد تسنّى لي التحدّث مع بعض الشباب الذين التقيتهم خلال سفرتي، سأذكر خمسة منهم: راهبتان، مرشد سياحيّ، سائق السيارة التي رافقتنا خلال تجوالنا، وبعض مَن كانوا في الكنيسة في يوم أحد.
قالت إحدى الراهبتين في الثلاثين من العمر، إنّ والديها لم يعمّدوها، وإنّها أتت إلى الإيمان أثناء دراستها الجامعيّة على يد أحد الكهنة، فتعمّدت في التاسعة عشرة. وقالت الثانية، وهي من نفس العمر ظاهريًّا، إنّها تعمّدت في طفولتها، لكنّها لم تعرف شيئًا عن الإيمان طيلة فترة شبابها إلى أن اهتدت أيضًا في الجامعة.
أمّا المرشد السياحيّ فهو غير معمّد. وبدا لنا في البدء أنّه لا يبالي كلّيًّا بأمور الدين والإيمان، وهو مرهف الحسّ الجماليّ. فقلت له أثناء مشاهدتنا جداريّات غاية في السموّ وعمارات كنسيّة فائقة الجمال إنّ الجمال ذا علاقة بما يفوق الطبيعة، وإنّ الذين كتبوا هذه الجداريّات أو شيّدوا تلك الكنائس لا يمكن أن يكونوا اكتفوا بإمكاناتهم البشريّة، بل حظوا بشيءٍ آخر. فقال: ماذا؟ أجبت أنّه بالنسبة إليّ الله هو مَن يُلهم الجمال. يبدو أنّه تأثّر بهذا القول، وعاد إليه أكثر من مرّة. لا أدري إن كان ساعد في تغيير موقفه اللامبالي من الدين، بل أخذ في أواخر السفرة يُشعل شمعة كلّما دخلنا كنيسة، ويرسم على وجهه إشارة الصليب! أيمثّل هذا الشاب نموذجًا عن الشبيبة غير المعمّدة التي تنتظر من حيث لا تدري كلمةً تُوقظها إلى المعنى، وتجعلها تكتشف من خلال جمال إرثها الفنّيّ يسوع المختبئ فيه؟ لا أدري. لكن لا بدّ لي أن أذكر ما أخبرني عن تأثّره، وهو طفل صغير، أمام السيارات الأمريكيّة الفخمة الثلاث التي كان يستقلّها البطريرك الصربيّ جرمانوس (مدّة جلوسه 1958-1990)، وكان هو وعائلته يموتون جوعًا، وأنّ هذا المشهد أعطاه، كما لكثيرين، فكرة قاتمة عن الكنيسة وممثّليها. فأخذتُ أفكّر: تُرى، كم يجب أن يوجد بطاركة مثل البطريرك الصربيّ الراحل بافِل (مدّة جلوسه 1990-2009)، الذي كان يستعمل أدوات النقل العامّة متواضعًا، ويراه الناس مترجّلاً في المدينة، ليمحوا من ذهن الناس صورة الكنيسة المتعجرفة الغنيّة المتسلّطة؟
أمّا الشخص الرابع، وهو السائق، فكان قد خسر ابنته الشابة انتحارًا منذ أمدٍ قريب، وكان ممارسًا، يبحث عن سبب ما حصل معه، يتنقّل مع امرأته من دير إلى دير راجيًا التعزية. بما أنّه لم يتكلّم لغةً أجنبيّة، لا يمكنني إلاّ أن أصف موقفه الخارجيّ الذي يدلّ على الإيمان.
الممارسون
أمّا الممارسون الذين التقيناهم في الكنائس، فيُكثرون المطانيّات وإشارات الصليب، ويُظهرون تقوى ورعًا. لكن شعرت مع ذلك أنّه يوجد لديهم بعض التعلّق الجافّ بحرفيّة الطقوس بدون الولوج إلى ما توحي إليه في أعماقها. لا أدري إن كان هذا الشعور يعبّر عن الواقع، لكنّه إن صحّ فهو مقلق. أيجب على الكنيسة بعد الأوضاع المأسويّة التي عاشتها في الفترتين العثمانيّة والشيوعيّة والمرحلة الحديثة أن تلتهي بفرض الحجاب على رؤوس المؤمنات داخل الكنيسة، ومنعهنّ من لبس السراويل، بل إجبارهنّ على التسربل بالتنانير الطويلة، علامات فارقة للتقوى، مشدّدة على القشور بدل التركيز على سرّ التقوى العظيم "الذي ظهر في الجسد وتبرّر بالروح وروي من الملائكة وبُشّر به في الأمم وأومن به في العالم وارتفع إلى المجد" (1 تيموثاوس 3:16). وغافلة أنّ مثل هذه التصرّفات، بعيدًا عن المحافظة على الحشمة، تُظهر الكنيسة كأنّها غريبة كلّ الغربة عن العصر الذي تعيش فيه.
الكنيسة والبشارة
لا أعرف ما تفعله الكنيسة الصربيّة تجاه مثل هؤلاء الناس الذين يمثّلون أكثريّة شعبها. ما لا شكّ فيه أنّها عرفت في الفترة الأخيرة رجال كنيسة كبار وقدّيسين، نذكر من بينهم، إضافةً إلى البطريرك بافِل، المتروبوليت القدّيس نقولا فِليميروفيتش (1880-1956) المدعو "الفمّ الذهبيّ الصربيّ"، واللاهوتي القدّيس يوستين بوبوفيتش (1894-1979)، وعددًا من الرهبان الشيوخ، أمثال القدّيسين الستارتس تدّاوس (1914-2003) وسمعان من دجالبابيه (1854-1941)، وغيرهما. لكن كما قالت لنا إحدى الراهبتين المذكورتين أعلاه، إنّ معظم الآباء الروحيّين الذين عرفتهما في شبابهنّ أصبحوا الآن مطارنة، ولم يعد لهم الوقت الكافي لإرشاد الناس، وإنّ الآباء الروحيّين الأصيلين الحاليّين قلّة. وما لا شكّ فيه أيضًا أنّه يوجد كمٌّ كبير من الكتب الكنسيّة الصادرة باللغة الصربيّة، يُستشفّ من صور غلافاتها أنّ معظمها تخصّ رهبانًا كبار. ما عدا كنيسة ألبانيا، حيث وجدنا كتبًا ومنشورات تخصّ معظم أمور الحياة واهتمامات الأولاد والشباب، لا يبدو أنّ كنائس المنطقة الأخرى تهتمّ بذلك، إذ أنّ همّها الأساسيّ التركيز على ما يُسمّى "الحياة الروحيّة" والمحافظة الصارمة على الأصوام والقوانين الكنسيّة. مع الاعتراف بأهمّية هذه الأمور، لا يمكن للمرء إلاّ ويتساءل إذا كان مثل هذا التشدّد وهذه الأدبيات تحاكي وحدها جيلًا لا يعرف شيئًا عن الإلهيّات ويعيش في لا مبالاة تامّة تجاهها.
قلّة الكنائس والعلامات المسيحيّة الظاهرة
إلى ذلك، لاحظتُ قلّة عدد الكنائس في عاصمة مثل بلغراد، ولم أر دومًا كنائس أثناء تجوالنا عبر القرى، كما هو الحال في رومانيا واليونان وحتّى في روسيا، بينما يوجد في كلّ تجمّع إسلاميّ جامع واحد أو أكثر. يبدو أنّ تركيا والعربيّة السعوديّة تموّل تشييدهم، كما أنّهما تهتمّان بالتعليم ونشر مواقفهما من الإسلام المتشدّد. لا بدّ أنّ قلّة الكنائس تشير إلى شبه انعدام الممارسة الدينيّة لدى كثيرين. وتؤكّد ذلك ظاهرة أخرى، وهي خلافًا لما شاهدناه في رومانيا واليونان وروسيا، عدم وضع النساء حول أعناقهنّ قلادات تحمل الصليب.
الموقف من الإسلام المتشدّد
يقف الأرثوذكسيّون الذين التقيت تجاه ظاهرة التشدّد الإسلاميّ موقف اللامبالاة، على أساس أنّ مسلميّ منطقتهم هم سلافيّون في الأصل مثلهم، ولا يمكن أن ينقلبوا ضدّ أهل أمّتهم. لكن، مع ذلك، بدأت تظهر هنا وهناك سيّدات محجّبات، خلافًا للعادات المحليّة التي طالما حرّمت مثل هذه الممارسات، كما تحرّة وضع الصلبان على الأعناق! الله يتّقيهم من الأعظم!
7- مع ذلك كلّه تشييد الكنائس الضخمة!
لا بدّ من التوقّف عند ظاهرة تتّسم بها كلّ عواصم المنطقة، ألا وهي تشييد كنائس كاتدرائيّات تفوق حجمًا وعظمة معظم الكنائس الأرثوذكسيّة في العالم. فيتمّ تشييد في بلغراد، عاصمة صربيا، كاتدرائيّة القدّيس سافاس، التي لم تكتمل زينتها الداخليّة بعد، المقامة في المكان الذي حرق فيه العثمانيّون رفات القدّيس سافاس سنة 1594. وتساهم الدولة في تمويلها.
[1] "بيزنطية بعد بيزنطية، سلسلة الندير، منشورات بالّند، 1992.
[2] وقد مات شهيدًا السنة 1940، على يد "حرّاس الحديد" النازيّين، بضع سنوات فقط بعد أن وضع كتابه المذكور.
[3] نتائج هذا الإحصاء مذكورة في "الكنيسة البأرثوذكسيّة الصربيّة"، بوسكو بوجوفيتش، منشورات سيرف، 2018، ص. 104-106.
[4] المرجع عينه، ص. 290.



